هموم ثقافية

هل تؤسس الرواية وعيًا بالديمقراطية

الرواية هي مغامرة العقل، في رحلة استكشافه لمجاهل متعددة ومتشابكة، حيث لا يمكن لغيرها من فنون الأدب أن تكتشفه، لأن الرواية –كما يؤكد كونديرا- التي لا تكشف جزءًا ما يزال غامضًا أو مجهولًا من الوجود، هي “رواية لا أخلاقية”، وأنّ “المعرفة هي الأخلاقية الوحيدة للرواية”. ومن الطبيعي أن هذه المعرفة المقصودة ذات بعدَين لا متكاملين، هما: المعرفة العلمية بالموضوع الذي تهدف الرواية إلى إنارته من جوانبه كافة، والمعرفة التقنية بفنيات هذا الجنس الأدبي وطبيعته ومتطلباته، من أجل أن تقدم معرفتها على أطباق من المتعة الجمالية، والمزاوجة بين متعة اكتشاف المجاهيل وعنصر التشويق، وحيث يعيد الخيال صناعة الواقع وافتراض العلاقات بما يتماشى مع خط السرد المتشعب والمتصاعد نحو نهايته المفترضة.

وبما أنّ الشخصية الروائية كيان افتراضي، توجب على الكاتب الدقة والحرفية في رسمها وإفساح المجال أمامها، لتعبر عن نفسها بحرية تامة؛ فلا بدّ أن المناخ الحيوي القادر على تجسيد هذه الشخصيات المتباينة طباعًا وأمزجة ووعيًا، هو المناخ الديمقراطي المبني على الجدلية والحوار بأشكاله المتعددة المباشرة أو غير المباشرة، ويفترض أن تتمتع كل شخصية روائية أساسية بشيء من البطولة الفعلية أو الرمزية، أو أن تكتسب هذه البطولة بالنمو المستمر بالتوافق مع خط السرد المتجه نحو الاتساع الأفقي زمانًا ومكانًا، أو في الضدّ منه، وفقًا للظروف المتغيرة.

إن هذه المناخات المتنوعة تؤكد لنا أنّ عالمًا غريبًا معقدًا ومتشعبًا وغامضًا وطامحًا، وباحثًا عن المعرفة والحلول، هو الذي دفع بجنس الرواية إلى الاكتمال والنضج، باعتباره الجنس الوحيد الذي يقدم معرفة مغايرة، ويسبر أفاقًا قصية ومجهولة، (فكأن العلم والأدب والفنون جميعها، قد التقت فيها (الرواية)، ومرت كالطيف منها تاركة لها وحدها، أن تستقل وأن تملأ هذا النقص المريع، محمولة على طاقة اللغة المتفجرة وحدها)، وعلى فنيات التعبير المتجدد الذي لا حدود لطاقته، على ابتداع المعادل اللغوي (الجمالي) للواقع الموضوعي واللحظة المتحركة والمتغيرة في عوالم اجتماع العقل المنظم بالحلم.

وبما أن الرواية عمل تخييلي، ولها طريقة فهمها وكشفها وارتيادها عوالمها البكر، في بحثها عن الحقيقة –صنو الجمال- بوجوهها المتعددة، لا الحقيقة الواحدة الجامدة؛ فهي تبتعد عن النموذج الجاهز لرواية التاريخ والواقع، وتغوص في دقائق، يمرّ علم التاريخ ومختلف العلوم من فوقها ولا يعيرها أدنى انتباه، لذلك اعتبر بعضهم أنّ عظمة الرواية تكمن في كونها لغة ماكرة، وعلى الروائي وحده أن يكتشف الطريق إلى مكرها، ويعري وجوهها والتباسها بهوى النفوس المتعددة والأمزجة والآراء المتباينة، من دون انحياز واضح لهذا الرأي أو ذاك، ومعياره في هذا نسبية الحقائق وديمقراطية الكاتب، في توفير فرص متساوية لتحاورها، حوار الند للند، تاركًا للقراء فرصةً كي يحاوروا وينتجوا حقائقهم بأنفسهم، أو يعيدوا إنتاج الرواية تبعًا لمستوى وعيهم ورهافة تذوقهم.

إن هذه الحقائق، بوصفها حقائق نسبية غير قطعية، تجسدها (ذوات خيالية) تسمى شخصيات، وهذه الشخصيات مبنية على التعدد والاحتمالات وتأرجح مقولاتها بين الشك واليقين، لأن يقين الرواية الوحيد، هو” حكمة اللايقين” وعبرها، يؤكد الرواي ويمارس ديمقراطيته النوعية المتقدمة، على أكثر الديمقراطيات السياسية والواقعية في التاريخ قديمه وحديثه، والتي تبدو على أيدي عظمائها أكثر صدقًا وانسجامًا مع النفس البشرية.

ومعلوم أنّ المواجهات بين الشخصيات الروائية ذات الكيان الافتراضي، والأحداث في زمان ومكان محددين، تجري في ما نسميه فضاء الرواية، وفيه ستكون المواقف المتباينة للأشخاص المتباينين في الطباع وقوة الحضور والتاثير، حيث إنّ الكاتب الماهر يحسن رسم أبطاله السلبيين والإيجابيين بالقدر نفسه من الإجادة والحياد التام؛ إذ إنّ مشروعية البطولة الإيجابية والسلبية يجب أن تجد تفسيرها في سياق السرد العام، ولا تأتي بمواقف طارئة مستهجنة، إلا إذا اقتضى الموقف ذلك، مع شخصيات لم تبلغ نضجها العاطفي، وظلت رهينة لنوازعها واضطراباتها.

هنا، في هذا الفضاء الروائي العام، تتجلى غنى تجربة الكاتب ونضج أدواته، إذ كلما أتاح هذا الفضاء المجالَ للتأويل وتعدد القراءات؛ نجح الروائي في توفير أجواء مناخ ديمقراطي قابل للحوار وللتعدد، علمًا أنّ هذا التوفر لا يعني أبدًا خلق شخصيات سائبة، بل إنّ قوة حضورها في المشهد والحدث، ستكون من دواعي تعدد القراءات واتساع آفاق التأويل.

لقد تحدث كونديرا عن هذا التعدد والتأويل، بوصفهما مجالًا لبحث ديمقراطي موضوعي، لا يجمعهما جامع مع الفكر الشمولي، وجعلهما ضدين متغالبين ومختلفين في البنية والتركيب، فكل منهما معجون من مادة لا تُجبَل مع الأخرى، وقد أشار إلى ذلك الافتراق بينهما في أثناء حديثه عن الرواية السوفيتية، قبل سقوط النظام الشمولي، بقوله: “هذا اللاتناسب أشد عمقًا من ذلك الذي يفصل بين منشق وبين موظف في أجهزة السلطة، بين مناضل من أجل حقوق الإنسان وجلاد؛ لأنه ليس تباينًا سياسيًا وأخلاقيًا فحسب، بل هو تباين أنطولوجي”، وهو يطلق على الرواية الصادرة في الاتحاد السوفيتي “رواية ما بعد التاريخ”؛ لأنها لا تؤكد سوى ما سبق من الأحداث، ولا تكشف أعماقًا مجهولة.

في جنس الرواية إذًا، تتمثل أهم سمات الحداثة، باعتبارها تبنى أصلًا على تعدد الأصوات وتحاورها ديمقراطيًا، وعلى نسبية الحقائق وتعدد وجوهها، وتقوم بنيتها التنظيمية على الوعي وتنظيم العقل والترابط السببي للأحداث، كما أنّ الحرية التي توفرها لأشخاصها لا تكتفي بالوقوف عند حدود الواقع المفروض، بل توفرها لهم حتى في تخيلاتهم وأحلامهم، وبما يساهم بتحريرهم من حتمية وإلزام الضرورة الواقعية، إلى لزوم الضرورة الفنية، ومن الاختزال واللغة المشتركة الشائعة إلى روح اللغة الخاصة ونكهة الكلمة الخاصة في الموقف الخاص، لأن التعميم والاختزال من عمل الصحافة ووسائل الإعلام المختلفة التي تتخذ أسلوبًا موحدًا وشاملًا، وتروج لمفردات بعينها، وتكاد تنتج أنماط تفكير متشابهة، فتقلص من حرية الاختيار والحرية الفكرية، وهذه مضادة لروح الرواية، كما يرى كونديرا: “هذا التقليص الإعلامي، هذه الروح المشتركة، هي روح عصرنا، وهي روح مضادة لروح الرواية”. أما روح الرواية فهي روح الاستمرار، ومجالها التعدد والعمق، وحيث إن “الأشياء أكثر تعقيدًا مما نظن”؛ فلا مجال هنا لتأكيد يقين قاطع مؤداه: إما أن تكون “آنا كارنينا” على حق، وإما أن يكون زوجها على حق؛ إذ إن أفضل يقين في الرواية “هو اللايقين”.

مقالات ذات صلة

إغلاق