ترجمات

جريدة لوريان لوجور: جحيم سجون الأسد ينتقل إلى الشاشة

ملصق الفيلم.

كانت الأفرع الأمنية للنظام السوري، التي شكلها ألويس برونر “نازي دمشق”، وراء اختفاء حوالي 200.000 شخص. تم طرح قضية المعتقلين اللبنانيين السابقين في السجون السورية، يوم الجمعة الفائت 27 تشرين الأول/ أكتوبر 2017، خلال عرض الفيلم الوثائقي (تدمر) في جامعة (القدّيس يوسف).

“سجن تدمر” يكفي ذكر اسمه لبثّ الرعب في سورية؛ عُرف عن تدمر، سجن الصحراء، لوقت طويل، بأنه المكان الذي يتلقى فيه المعتقلون أقسى أنواع العقوبات، ووفقًا لتقرير منظمة العفو الدولية المنشور عام 2001: “يبدو أنه قد تم تشييد سجن تدمر لإنزال أقصى أنواع العذاب والإهانة بالسجناء”. تعرض السجن للدمار الجزئي من قبل “تنظيم الدولة الإسلامية” عام 2015، وكان قد بُني عام 1920 في ظل الانتداب الفرنسي.

اختارت جامعة (القدّيس يوسف)، بمناسبة إطلاق برنامج الماجستير في الديمقراطية وحقوق الإنسان باللغة العربية، عرضَ الفيلم الوثائقي (تدمر) لتختم به اليوم الافتتاحي. حضر العرض مخرجو الفيلم: مونيكا بورغمان، ولقمان سليم، وتلاه نقاش ذكر خلاله معتقلٌ فلسطيني سابق أن “ما يظهره الفيلم هو غيض من فيض، وأن التعذيب قد تضاعف عشرات المرات، منذ بدء الاحتجاجات ضد النظام”. عرض ذلك الفيلم الوثائقي التمثيلي مداخلاتٍ لمعتقلين لبنانيين سابقين، أعادوا تمثيل ماضيهم التراجيدي بشكل متتابع، كما عرض الفيلم مشاهدَ لوسائل التعذيب كالدولاب والكرسي الألماني، إضافة إلى ذكره حوادث كإجبار أحدهم على ابتلاع طائر بأكمله، ومشاركة آخرين لوجبة مبللة بالبول، وأشار لقمان سليم، أحد مخرجي الفيلم، إلى أن “العدد الرسمي الصادر عن الحكومة للبنانيين المختفين في السجون السورية هو 624 شخصًا”.

“إن إنجاز ذلك الفيلم كان بمثابة حاجة جسدية لي؛ بهدف كسر الصمت حول ذلك الموضوع، بعد القمع الذي واجهته الثورة الشعبية”، على حد تعبير مونيكا بورغمان التي أسست مركز (أمم) للتوثيق والأبحاث بالشراكة مع لقمان سليم. يأخذ ذلك المركز على عاتقه مهمة مواجهة اللبنانيين بماضيهم الخاص، وفي ذلك الإطار تم إنجاز فيلم (القاتل) أو “Massacre”، والذي أعطى فرصة الكلام لجلادين، شاركوا في مجزرة صبرا وشاتيلا في عام 1982.

تلا عرض فيلم (تدمر) جلسةُ أسئلة وأجوبة، قال فيها أحد المتداخلين واسمه أسامة: “إن كوننا ضد (داعش) لا يعطينا الحق في إغلاق أعيننا عن همجية الأسد”.

التعذيب كصناعة

كانت غاية النظام، الذي يخوض حربًا ضد شعبه، من التعذيب الذي يمارسه هي “قتل زيد لردع عمر”. وفقًا لأحد سجاني المعتقلات المنفي في الأردن، والذي تحدث في فيلم صوفي نيفيل كاردينال وإيتين هوفير الوثائقي (مغيبون، الحرب غير المرئية في سورية) الحائز على جائزة (ألبرت-لوندر) عام 2016، لأنه لا يمكن للعنف غير المحتمل الذي مورس بحق المعتقلين أن يكون وليد صدفة أو سلوكًا لبعض المغالين في النظام، وإنما يكشف في الواقع عن سياسة دولة فعلية مرسومة من أعلى المناصب. بتلك الطريق تم تغييب ما يقارب 200.000 شخص، وفقًا لصناع الفيلم.

في الوقت الحالي، ما يزال رعب السجون الهادف إلى إسكات كل أنواع المعارضة جاريًا، ولكن ترافق اندلاع الانتفاضة في عام 2011 مع تبدد التعتيم الذي كان يخيّم على مساوئ نظام الأسد التي أخذت تنكشف إلى العلن، بواسطة (قيصر)، مصور الشرطة العسكرية الذي يعيش في المنفى الآن، وقد خاطر بحياته لجمع 53.000 صورة جثة معذبة حتى الموت، تم عرضها بشكل علني في عام 2015. قامت الصحافية غارانس لوكازين بكتابة سيرة قيصر، ونشرها في كتاب من دون أن يثير هذا أي ردة فعل قوية من المجتمع الدولي، بل على العكس، يبدو أن عنف (داعش) المسوق إعلاميًا قد خدّر الرأي العام، وغطّى على أعمال عنف النظام، مع أن الأخير مسؤول عن معظم الجرائم المرتكبة ضد مدنيين (92 في المئة من الحالات)، وفقًا للشبكة السورية لحقوق الإنسان.

أساليب نازية

تذكرنا صور الأجساد المهزّلة ومقطعة الأوصال، بالأوقات الظلماء للتاريخ الأوروبي، بين عامي 1940 و1945، وكما شرح الصحافيان هادي أويدج، وماتيو بالان في تحقيقهما، فإن ذلك لم يكن مصادفة؛ إذ إن الشخص الذي بدأ أساليب التعذيب السورية لم يكن إلا ألويس برونر، القائد النازي عالي الرتبة اللاجئ في دمشق، وذراع أدولف أيخمان اليمنى والمسؤول اللوجستي عن “الحل الأخير”.

تقول مونيكا بورغمان: “إن الشخصيات الرئيسية في هذا الفيلم هي الناطقة باسم أولئك الذين لا يستطيعون الكلام؛ لأنهم ما زالوا معتقلين أو لأنهم قد ماتوا مسبقًا”، وختمت حديثها قائلةً: “ربما يكون الوضع اليوم أسوأ، فالتعذيب الجنسي قد غدا منهجيًا”. في كل أسبوع، يخرج من 20 إلى 100 شخص من زنازينهم ليُشنقوا وسط الليل، وفقًا لتقرير منظمة العفو الدولية الأخير، والذي أشار إلى أن عدد الإعدامات منذ عام 2011 قد بلغ 13.000.

في النهاية، لا يجب اعتبار هذا الفيلم كذاكرة بعيدة، لما كان عليه سجن تدمر، وإنما كشهادة لما يحدث حاليًا في سجون النظام.

 

عنوان المادة الأصلي L’enfer des prisons d’Assad porté à l’écran
الكاتب أليكسيس أفيشAlexis AFEICHE
المصدر L’orient Le Jour جريدة لوريان لوجور
الرابط https://www.lorientlejour.com/article/1081053/lenfer-des-prisons-dassad-porte-a-lecran.html
المترجم أنس عيسى

 

Author

مقالات ذات صلة

إغلاق