مقالات الرأي

سوشي وسوتشي

في صيف 2013 كنت في زيارة إلى القاهرة، وكان يقيم فيها آنذاك العزيز عبد الحكيم قطيفان (أبو كرم)، وفي أحد أيام الزيارة أخبرني (أبو كرم) بأن عازف العود العراقي نصير شما يرغب في استضافتنا بمنزله على العشاء، وقد عرفت فيما بعد أن العزيز نصير شما قد استشار (أبو كرم) باستضافتنا على “أكلة سوشي”، ويبدو أنه لم يعترض آنذاك خجلًا، أو بسبب عدم معرفته بالسوشي أصلًا.

المهم، اجتمعنا في منزل نصير شما، وكان معنا العزيز عبد الكريم ريحاوي. وبعد تجاذب أطراف الحديث انتقلنا إلى مائدة الطعام، فإذا بمائدة السوشي أمامنا تضجّ بألوان شتى.

كانت تلك أول مرة أرى فيها “السوشي”، على الرغم من سماعي باسمها سابقًا، فأنا شخص كلاسيكي جدًا في مجالات عديدة، مثل الطعام واللباس والذوق الفني، ولا أحب إلا ما اعتدت عليه، وأكره تغيير عاداتي.

تجرأت وجربت، وكذلك فعل (أبو كرم)، وأكلنا بهدوء وتردّد واضحين، فيما كان نصير شما وعبد الكريم ريحاوي منهمكين في الأكل، ويتلذذان بمذاق السوشي. لم تعجبني “أكلة السوشي” إطلاقًا، فمرة يكون طعمها حلوًا ومرة مالحًا، وأخرى لا أعرف كيف أصفها، لكنني ضغطت على نفسي كثيرًا كي أستمر ولا أسبِّب إحراجًا للمضيف، خصوصًا أن إحدى عاداتي السيئة في الحياة، التي لم أستطع التخلص منها، هي ارتفاع مستوى الحساسية لدي تجاه التسبّب -ولو عن غير قصد- بإحراج الآخر، اللهم فيما عدا السياسة والفكر؛ وأذكر أنني اضطررت، في زمن مضى، إلى تناول حبة مشمش قدّمها لي أحدهم، وعندما فتحتها وجدت دودة صغيرة في داخلها، إلا أنني التهمتها مع الدودة خوفًا من إحراج المضيف.

في لحظةٍ ما، التقت عيني بعين (أبو كرم)، فما كان منا إلا أن انفجرنا بالضحك مباشرة؛ وتجرأت آنذاك، وطلبت من نصير شما قليلًا من الخبز، ربما ليعينني على بلع هذه الوجبة المبجلة، ليتبعني أبو كرم فورًا، ويطلب “شوية جبنة ولبنة”؛ فارتبك نصير شما، وتحرك مباشرة ليأتينا بكل ما لديه من طعام في منزله.

نصير شما، المبدع الكبير وعازف العود العراقي، والإنسان الجميل، قال ذات مرة عن الموسيقي الملتزم: كل إنسان لديه هدف في الحياة، هناك من التزم الهبوط وهناك من التزم الشعب، فيما التزم آخرون المبادئ. لكن الأهم أن يمتلك الشخص قدرة فنّية عالية، وأن يتبنّى قضية.

ربما لا أختلف معك إلا في تقديرك وحبك لـ “أكلة السوشي”.

تجربة “أكلة السوشي” تبقى محتملة أمام تجربة “مؤتمر السوتشي” (السوري)، أو في الأحرى (الروسي)؛ الأولى خيار ومزاج فيما الثانية هبوط ووضاعة، ويستحيل بلعها!

مقالات ذات صلة

إغلاق