تحقيقات وتقارير سياسية

معارضون: أستانا مسار تصفية الثورة

 

انتهت، أول أمس الثلاثاء، جولة أستانا السابعة، من دون أي خرق ملموس بخصوص القضايا المطروحة للتفاوض، وعلى رأسها قضية المعتقلين، وملف المناطق المحاصرة؛ ما جعل مراقبين في الداخل السوري يرون أن المحادثات باتت مجرد ركيزة، تستند إليها موسكو لتمرير مشاريعها السياسية الرامية لإعادة إنتاج النظام السوري.

أستانا مسار الدم

جاءت الجولة الأخيرة من أستانا في ظل تصعيد عسكري غير مسبوق على الغوطة الشرقية بريف دمشق، تزامنًا مع استمرار الحصار المطبق على المنطقة التي يسكنها نحو 350 ألف إنسان، وهو ما دفع معظم الفعاليات المدنية داخلها إلى وصف المسارات التفاوضية بـ “مسارات الدم بغطاء من المعارضة السورية”، على حد تعبيرهم.

يقول وائل علوان المتحدث الرسمي باسم (فيلق الرحمن): إن “مسار أستانا غير جاد، ويفتقر إلى إرادة لوقف جرائم النظام وحلفائه ضد الشعب السوري”، مضيفًا في تصريحات لـ (جيرون): “نحن اشترطنا في الجولة الأولى منه (أستانا)، مطلع العام الحالي، وقف الهجوم على وادي بردى للاستمرار فيه، ولكن ما حصل أن التصعيد استمر وانتهى بالتهجير، وهو دليل واضح على أنْ لا نية لدى موسكو لإيجاد حل سياسي معقول ومقبول”.

من جهة ثانية، قال محمد سليمان دحلا رئيس الأمانة العامة في الغوطة الشرقية: إن “ذهاب الفصائل إلى أستانا، بعد هزيمة حلب، كان خطأً فادحًا، ولم تجر أي محاولة لتصحيح هذا الخطأ حتى اللحظة”.

اعتبر دحلا في حديث لـ (جيرون) أن “أستانا، كغيره من مسارات التفاوض، جاء ضمن سلسلة الفرص الممنوحة للنظام، لإخضاع الشعب السوري عن طريق الاستمرار بالقتل والتجويع، إلا أن ما يميز الأول عن غيره أن الفصائل العسكرية التزمت بإرادة الدول الضامنة الثلاث، بذريعة خفض التصعيد، على الرغم من عدم وجود آليات واضحة لتنفيذه ومراقبته، في حين لم يلتزم النظام المدعوم والمحمي من روسيا”.

وتابع: “أستانا تحول إلى مسار لضرب مرجعية جنيف والقرارات الصادرة عنه وخصوصًا 2254، ومنح تفسير موسكو لذلك القرار شرعية، وحاليًا بات مسارًا لتصفية الثورة، وكل ذلك بذريعة تهيئة الظروف المناسبة للحل السياسي”.

تفاهم روسي أميركي لتصفية الثورة

يرى المشاركون من الفصائل العسكرية في أستانا أن التفاوض ضرورة ومعركة سياسية، قد تقود إلى إجبار موسكو على الالتزام بتعهداتها، وإحراجها أمام المجتمع الدولي، إلى جانب أن المحادثات أسفرت عن إدخال قافلة مساعدات إلى الغوطة المحاصرة.

بَيد أن علوان نفى ذلك قائلًا: “لا علاقة لمحادثات أستانا بدخول القافلة التي لا تكفي لأكثر من يومين، بل إن الهلال الأحمر أبلغ (فيلق الرحمن) والقيادة الثورية في القطاع الأوسط، قبل نحو أسبوع، عن ترتيبات دخولها، وجاءت نتيجة الحملة الإعلامية التي أطلقها ناشطو الغوطة الشرقية، وشكلت حالة ضاغطة ربما أحرجت المجتمع الدولي”.

لا يرى علوان أن مسؤولية استمرار التصعيد العسكري والحصار على الغوطة الشرقية يتحملها وفد الفصائل المشارك في أستانا، بل يتحملها بالدرجة الأولى المجتمع الدولي ومؤسساته الحقوقية والإنسانية، وقال: “يتحمل المسؤولية بالدرجة الأولى وفد الأمم المتحدة في أستانا الذي يقف عاجزًا عن إدخال القوافل الإغاثية والطبية إلى الغوطة، وحوّل ملف الحصار إلى ورقة للمساومات السياسية”.

شدد علوان على أن “قضية فك الحصار هي قضية فوق تفاوضية، وقد نصت عليها بيانات جنيف، وذكرت صراحة أنه ينبغي السماح بوصول المساعدات الإنسانية والطبية إلى المناطق المحاصرة، من دون الحاجة إلى التنسيق مع نظام الأسد”.

في السياق، قال يحيى العريضي، متحدث باسم الوفد المفاوض في أستانا: إن “الحديث عن أن أستانا تحوّل إلى مسار دمٍ يمنح الروس والنظام غطاءً لمواصلة الجرائم هو حديثٌ غيرُ صحيح، نحن دولة تحت الاحتلال، ونحاول قدر استطاعتنا -ضمن المعادلات السياسية شديدة التعقيد، وتخلي المجتمع الدولي عن قضية الشعب السوري- المناورةَ، لمساعدة شعبنا ووقف شلالات الدم، ورفع الحصار، وهذا المتاح أمامنا الآن”.

أوضح العريضي في تصريحات لـ (جيرون) أن “التصعيد وتشديد الحصار على الغوطة الشرقية وغيرها من المناطق، جاء تزامنًا مع جولة أستانا، بهدف ضرب صدقية الفصائل المشاركة، وأعتقد أن علينا البحث والتفكير عن مشروع وطني، ينهي حالة الشقاق والشتات بين مكونات المعارضة السورية، ويجد بدائل أفضل تحقق أهدافنا شعبنا، وتساعد في وضع حد لمأساته المتواصلة”.

بدوره، قال دحلا: “لا يمكن تبرير الاستمرار في أستانا، بذريعة إحراج موسكو وإجبارها على الالتزام بتعهداتها، روسيا لم تُحرَج من المجتمع الدولي، واستخدمت الفيتو مرارًا لحماية نظام الأسد، ولا يوجد أي طرف في المجتمع لديه رغبة في إحراج الروس، بل إن التفاهمات الروسية الأميركية لم تعد خافية على أحد، والأوروبيون يدورون في فلك تلك التفاهمات”.

يرى دحلا أن البديل الممكن، للخروج من الوضع الحالي، يكمن في “توافر الإرادة لدى الفصائل العسكرية، على اعتبار أنهم جزء من الهيئة العليا للتفاوض، لتبني موقف موحد يوقف العبث السياسي والتلاعب الدولي المستند إلى التناقضات والاجتهادات المتعددة، ضمن الصف الثوري”، موضحًا أن هذا الموقف “لا بد أن يكون مرتكزًا على الثوابت المعروفة، ويستند إلى تفويض مطلق من الفصائل العسكرية للجسم السياسي، في كل ما يخصّ القضايا والملفات التفاوضية، إلا أنه لا توجد مؤشرات على ذلك حتى الآن”، وفق تعبيره.

أستانا استمر بفعل الضغوط التركية

يرى البعض أن أبرز الأسباب التي دفعت الفصائل العسكرية إلى الاستمرار في مسار أستانا، بالرغم من إدراكها عدم جدواه، هي الضغوط التركية الكبيرة على الأولى، والتي لا تملك هوامش لرفص تلك الضغوط.

رفض علوان ذلك التوصيف، وأكد أن “أنقرة لا تمارس أي ضغوط على الفصائل العسكرية للمشاركة في أستانا، والدليل أن (فيلق الرحمن) غير مشارك، على الرغم من أن مكتبه السياسي موجود في تركيا، وإنما تحاول ما استطاعت أن تستثمر ثقلها وعلاقاتها الإقليمية والدبلوماسية في مساعدة المعارضة السورية”.

بينما قال دحلا: “لا يمكن نفي ذلك (الضغوط التركية على الفصائل)، أنقرة لديها مصلحة كبيرة في التفاهم مع الروس، بعد تخلي حليفها الأميركي عن مساندتها، ودعمه لأعدائها الذين يشكلون خطرًا على أمنها القومي، ومن الطبيعي أن تعطي الأولوية لمصالحها على حساب مصلحة الثورة السورية، فالمصالح قد تتقاطع هنا، وربما تفترق هناك”.

في السياق ذاته، قال مصدر خاص، فضّل عدم الكشف عن اسمه، لـ (جيرون): إن “الأتراك لا يضغطون فقط على الفصائل على اعتبار أن معظم المشاركين في أستانا هم من فصائل الشمال، وباستطاعة أنقرة خنقهم، وسحقهم عن طريق التنسيق مع (هيئة تحرير الشام)، وهذا حدث سابقًا مع فصائل كثيرة وكبيرة، تركيا تحاول الحفاظ على مصالحها، وتثبت نفوذها ضمن الصراع في سورية كدولة إقليمية كبيرة”.

أضاف: “أكثر من ذلك مؤشرات الاستثمار التركي في الصراع السوري كبيرة، أنقرة تدعم الحكومة السورية المؤقتة، وفي الوقت نفسه تدعم الحكومة المزمع تشكيلها بإشراف (تحرير الشام) في إدلب، وتنسق كافة تحركاتها في الشمال، كأحد الأطراف الضامنة لـ (خفض التصعيد) مع الهيئة، وليس مع أي من الفصائل المشاركة في أستانا”.

مقالات ذات صلة

إغلاق