تحقيقات وتقارير سياسية

إمبراطورية الولي الفقيه

لم يعد خافيًا أن دخول القوات الاتحادية العراقية معززة بـ “الحشد الشعبي”، إلى كركوك، وما عرف بالمناطق المتنازع عليها مع الإقليم، وإعادتها إلى طاعة الدولة المركزية، كنتيجة للاستفتاء الذي جرى في إقليم كردستان أواخر أيلول 2017، ما هو إلا ذريعة وبداية لكرة الثلج التي بدأت تكبر يومًا بعد يوم. فالمدينة، بالرغم من أهميتها الاقتصادية، لم تكن هي الغاية أو الهدف الأوحد، كما أن الاستفتاء لم يكن هو السبب والمبرر، فمع اختلاق ملفات ودعاوى قضائية وإصدار مذكرات استجواب، بحق البرزاني وبعض شخصيات حزبه؛ بدأت تتكشف أهداف وغايات أخرى أكثر خطورة من المعلن؛ ما يشير إلى أن الأمور لن تقف عند هذا الحد، وأن وراء الأكمة ما وراءها، وأن السيناريو الذي أُعِد للعراق كاملًا من جنوبه إلى شماله، منذ سقوط بغداد في التاسع من نيسان/ أبريل عام 2003، وما تبعه من وضع دستور طائفي، مكّن الإيرانيين من الهيمنة على الدولة العراقية، بواسطة عملائها من العراقيين، قد آن الأوان لتنفيذ المرحلة النهائية منه، بالسيطرة على الشمال العراقي المتمثل بإقليم كردستان، وضمه إلى الحظيرة الإيرانية قبل فوات الأوان، ولا سيّما أن حكومة الإقليم بدأت تنزع إلى الخروج من شرنقة العراق المدمَّر والضعيف، لتكوين قوة كردية مستقلة “سنية المذهب”، وهو ما يتعارض ومشروع الهيمنة الإيرانية على المنطقة ذلك المشروع الضرورة للمشروع الغربي، بحكم التماهي معه، من حيث إشاعة الفوضى والتخريب والتدمير الذي هو المقدمة لرسم المنطقة من جديد، وفق النظرية الغربية.

وعليه؛ فإن السيطرة على كركوك، وما رافقها من تصريحات متبادلة وزيارات ميدانية لقادة عسكريين إيرانيين، لا توحي بأن هناك حلولًا تلوح في الأفق، بين حكومة بغداد -التي ليس لها من أمرها شيء ولا تعدو كونها مكتبًا تنفيذيًا لمشروع الولي الفقيه- وبين حكومة الإقليم.

فالنيّات الإيرانية ببسط السيطرة على كامل الإقليم -وإن لم تكن جديدة- أصبحت الآن من الأولويات، ولتحقيقها لا بد من التخلص من زعامة البرزاني التاريخية، كرمز كردي يشكل عائقا وعقبة في وجه المصالح والأطماع الإيرانية بعيدة المدى في المنطقة، وما الاستفتاء إلا شماعة تم توظيفها للتخلص منه، لإفساح الطريق أمام فصائل وتيارات سياسية على الساحة الكردية، تخدم المشروع الإيراني من خلال مساهمتها في التدمير الذاتي وإشاعة الفوضى بالإقليم. مستغلة النزعة الانتهازية لمثل هذه التنظيمات التي حجبتها زعامة البرزاني عن دور أو موطئ قدم على الساحة السياسية الكردية، فيما مضى.

فالرجل، خلال مسيرته السياسية، لم يكن على توافق مع طهران مطلقًا، وعلاقته معها -إن حصلت- كانت حذرة جدًا، وهو إن لم يقف بالضد من المشروع الإيراني علنًا فإنه –من وجهة النظر الإيرانية– غير موثوق به ولا مرغوب فيه.

فإيران التي غذت الحروب البينية في تسعينيات القرن الماضي، من خلال قيامها بإذكاء نار الفرقة والخلاف بين الفصيلين الرئيسين في الإقليم، ودعمها أحد أطرافه، وكان من نتيجتها الاحتراب الكردي-الكردي، لا يمكن أن تنسى للبرزاني وقوفه في وجه أطماعها من خلال استعانته بالقوات العراقية عام 1996، وانتزاع أربيل من أيدي حلفائها في السليمانية، بعد أن أوشكت أن تبسط سيطرتها على كامل الإقليم -آنذاك- بواسطة قوات الاتحاد الوطني الكردستاني الذي يتزعمه الراحل جلال الطالباني، كما لا يمكن أن تضمن عدم تكرار ذلك منه بأشكال أخرى.

لذا، فإن إبعاد البرزاني الخبير بالتلاعبات الإقليمية والدولية بالقضية الكردية، والمواكب لكبواتها، عن المشهد السياسي الكردي وإظهاره بمظهر المهزوم والمستبد والمتفرد بالقرار الكردي، أصبح حاجة وضرورة إيرانية ملحة في الوقت الراهن، خصوصًا أن بقاءه في المشهد السياسي الكردي يحول دون عودة الصراع بين الشركاء، والذي يتم الإعداد له بعودة قيادات الاتحاد الوطني الكردستاني في السليمانية إلى سابق عهدها، بالتناغم مع السياسة الإيرانية.

وسط هذه الأطماع والمخططات الإيرانية التي لم تعد خافية، بقي الموقف التركي سلبيًا وأحيانًا مساندًا للرؤية الإيرانية بالرغم من كونهم -الأتراك- ليسوا بمنأى عن تداعيات هذه المخططات وإن بعد حين. فهم المتضرر الأكبر من أي تغيير لقواعد اللعبة في العراق، بخاصة ما يتعلق منها بالأوضاع في إقليم كردستان، لما لهذا التغيير من انعكاسات تطال الأمن القومي التركي. فالأتراك لا ينقصهم “أوجلان” آخر بخسارة البرزاني، سواء بالمشاركة في مؤامرة الإطاحة به بشكل مباشر أو بالوقوف على الحياد مما يحاك ضده. فالمصلحة التركية تتطلب التمسك بزعيم كـ البرزاني، لطالما كان الحليف الأكثر إخلاصًا لهم، وأن يعضوا عليه بالنواجذ. ولا تقل أهميته لأمنهم القومي عن خطورته على المشروع الإيراني، وفي كلتا الحالتين مصلحة للأتراك. فإن لم يفعلوا؛ فما عليهم إلا انتظار (فيلق القدس) على حدودهم الجنوبية الشرقية، بعد أن أصبح العراق جزءًا من إمبراطورية الولي الفقيه”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق