تحقيقات وتقارير سياسية

سوتشي “ابتكار” روسي وقح

ما إن غادرت الوفود المشاركة في مباحثات أستانا، دون إحراز تقدم ملموس في مجمل البنود التي أُعلن إدراجها في الجولة السابعة من التفاوض، ومنها بند المعتقلين؛ حتى بادرت موسكو بالإعلان عن نيتها تنظيم مؤتمرٍ في مدينة (سوتشي) الروسية، يضم 30 هيئة وحزبًا سياسيًا سوريًا “معارضًا ومواليًا”، دون مراجعة أصلًا لما أُحرز من قبلُ، ودون التوقف عند الخلل المستعصي على نقاشٍ، بات ممجوجًا حول مصير النظام السوري ورأسه.

إلى ستة أعوام خلت، كانت مثل هذه الدعوات تبدو ضربًا من “الانتصار”، أو فنًا من فنون السياسة، يحرزه الوسطاء الإقليميون والدوليون، لجمع طرفَي الصراع للخروج بمحددات معينة، ترسم خارطة طريق تنقذ البلاد والعباد، لكن مثل هذا الكلام الذي تلوكه موسكو ومن خلفها المنظومة الدولية، يبدو دون الحقيقة بكثيرٍ من الشواهد: أولها أن من يدعو إلى الحوار وعقد المؤتمرات يعمل جهارًا نهارًا على قتل السوريين، وعلى تمكين النظام من بطشه وفاشيته، ومن “يضمن خفض التصعيد” فشل فشلًا مريعًا في التستر خلف هذه العبارة التي فضحها الموت والدمار المستمر في المناطق المفترض شمولها به.

جولة بعد جولة، من عبث التفاوض، أخذت موسكو وطهران وأنقرة تتمسكُ بمبدأ المفاوضات، دون فحوى لها، تطويعًا لإرادة الشعب السوري وممارسةً لمزيد من الضغوط، متكلين في ذلك على تفسخ الوعود والشعارات والالتزامات التي أتى على ذكرها التئام جنيف الأول، ثم تلا ذلك تكرار لجنيف، واستحداث أستانا بنسخ متكررة؛ إذًا لا بدّ من “الابتكار” هنا، على ما تقوله عقلية الكرملين، بدعوة مؤتمر “شعوب سورية”، أو حميميم، إلى سوتشي المنتظر.

في نص الدعوة الروسية لـ (سوتشي) “الطلب من المعارضة تقديم رؤيتها السياسية”. ستة أعوام فشلت فيها موسكو وحلفاء الأسد في معرفة مطالب الشعب السوري، هذا بحد ذاته ينزع عن “الراعي” الروسي الجدية والصدقية التي سقطت في تذخير النظام وسلاحه الفاتك بالسوريين.

كلما ازداد يقين الشعب السوري من جهة، بضرورة التخلص من النظام المجرم والوحشي؛ تعاظمت سبل المراوغة والخداع للحفاظ على سفاح سورية من جهة ثانية، فالواضح أن البعد الأساس لدعوات المفاوضة لا ينتهي في أروقة غرفٍ، ترسم ملامح مستقبل أقل كارثة بعد فداحتها، بل القبول بنتائج هذه الكارثة وتتويج فاعليها كرمز يحمي الأوطان، ويقلق على وحدتها ومصيرها! واقع مرير يحطم التفاؤل والحرص المخادعين، نعومة الكلمات أو خشونتها لا تغير من معادلة اليقين السوري، والتضحية بكل مقدرات سورية المجتمعية والاقتصادية، من أجل رغبة الحفاظ على مصلحة متصلة ببقاء نظام قمعي، بالقفز عن النتائج والتفاصيل، أصغرها وأكبرها تكفي لإدانته ومحاكمته لا محاباته ومفاوضته.

يكفي جولات أستانا المنقضية وغيرها السويسرية، أن ترمي العار في وجه نظام مجرم، أدرج الابتزاز تلو الابتزاز، للكشف عن مصير عشرات آلاف المعتقلين، ثم يبادر الروسي لطرح مؤتمر سوتشي، في تعبير سخيف عن إنجازات جزئية، خيبات أمل مستمرة يعيشها السوري من كل المجتمع الدولي، تكفي التقارير الدولية وإشاراتها إلى مسؤولية النظام عن ارتكاب جرائم حرب واستخدام السلاح الكيماوي والغاز السام، من دون اتخاذ إجراءات عزله وحصاره وإدانته، بين كل جولة يعلن عنها للمفاوضات، تستمر عمليات القتل والدمار، بما يقلب التوقعات والآمال رأسًا على عقب.

مفعول السحر الذي يتمناه المحتل الروسي والإيراني، للحفاظ على فاشي دمشق، يكمن في مراوغة المفاوضات، ويفشل في إنهاء معاناة السوريين التي تكمن في التخلص منه، وأي حديث دون ذلك لن يحقق أمنيات الشعب السوري، ولن يطيل إلى الأبد حبل النجاة للنظام، الموت المنتشر في سورية، وأعمالُ المجرمين الكبار الذين يمارسون طقوس حرق الجثث والذبح في أقبية تعذيب النظام، وتقديم ثلاثة أرباع الشعب السوري كـ “إرهابيين”، قبل أن تصير سورية كلها حطام، مسؤول عنها من يقوم بممارسة الإرهاب والخداع على الشعب السوري.

من جنيف الأول إلى سوتشي المنتظر، يستمر موت السوريين، وتجري عملية التعمية على جرائم جلاد، وتحميل الضحية مسؤولية قتله لنفسه وتدمير مقومات حياته! سوتشي الروسية محطة لجلسات تكاذب جديدة تنتهك -بوقاحةٍ- التاريخَ والعقل، في الإصرار على قتل الضحايا ودعوتهم إلى قبول قاتلهم، هي جل الابتكارات التي تُقدمها كل من موسكو وطهران، لا شيء مفيدًا في كل هذه العبثية التي تظن أن إطالة عمر نظام فاشي ستنسي الناس مَن يقتلهم ويدمر بيوتهم ومدنهم، ومن يعدم شبابهم وأطفالهم، ولا شيء سيفيد، إن كان بلغة موسكو أو طهران أو كازخستان أم بلغات الردح والاتهام والتشبيح، لا خلاص لسورية وللعالم سوى بالتخلص من أثقال هذا الفاشي، ودون هذا الابتكار ستفشل كل “الأمنيات”.

Author

مقالات ذات صلة

إغلاق