ترجمات

صحيفة فزغلياد: ضد ترامب أقحموا “ابنة أخت بوتين”

دخلت قضية “التدخل الروسي” في الانتخابات الأميركية مرحلة الاعتقالات. فقد وجهت اتهاماتٌ بحق مدير الحملة الانتخابية في معسكر ترامب وعددٍ من الشخصيات الأُخرى. ولكن الأمر الأكثر إثارةً كان في مكانٍ آخر، ومع أن قرار الاتهام لم يتضمن كلمة “روسيا” و”ترامب”. فإنه احتوى أخطاءً مضحكة وسخيفة.

طيلة العام المنصرم، كنا نشهد فقدان العديد من أهم وسائل الإعلام الأميركية لصدقيتها وبريقها، اللتين اكتسبتهما عبر عقودٍ من الزمن. وكل هذا من أجل هدفٍ واحد هو المشاركة في تشويه صورة دونالد ترامب. يوم الإثنين جاء الدور على مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي السابق، والمدعي العام الخاص روبرت ميوللر، وهو المحقق الذي وصفته الصحافة الأميركية بأنه أحد أفضل المحققين في الولايات المتحدة الأميركية، والذي وجه لرفاق ترامب اتهاماتٍ، مليئةً بإشاعاتٍ كاذبة وحتى بأخطاءٍ مثيرة للضحك. طبيعة ملامح الاتهامات الأكثر وضوحًا، من حيث عدم دقتها، في لائحة الاتهام التي وجهها المحقق ميوللر، لكل من بول مانافورت مدير حملة ترامب الانتخابية، وشريك أعماله القديم ريك غيتس، جاءت في البند رقم 22 الوارد في الصفحة 15، حيث أُشير بشكلٍ سريع إلى أن رئيس أوكرانيا، قبل فيكتور يانوكوفيتش، كانت يوليا تيموشينكو! (لم تكن رئيسة الدولة، بل رئيس الوزراء في أوكرانيا- المترجم).

الهدف الآخر من التحقيقات في قضية “التدخل الروسي بالانتخابات الأميركية”، بعد مانافورت، أصبح جورج بابادوبولس الذي تقدمه الصحافة للجمهور كـ “مستشار ترامب السابق في إدارة الحملة الانتخابية” لشؤون السياسة الخارجية. خلافًا لمانافورت، لم يشأ بابادوبولوس المواجهة، واستسلم مباشرةً بعد أنْ عقد معFBI  صفقةً قبل المحاكمة. يصف التقرير صفقة محكمة الفيدرالية في مقاطعة كولومبيا بـ “الجريمة”، ويشير إلى أن المستشار التقى في لندن بامرأةٍ روسية، قال إنها: “ابنة أخت بوتين”، وأنه حاول من خلال “ابنة الأخت” ترتيب لقاءٍ، بين بوتين وترامب. فيما بعد، ذُكر في الوثيقة نفسها، أن المستشار أدرك أن المرأة الروسية ليست قريبة بوتين، وأنه لم يكن يعرف من تكون.

 دستةٌ من الاتهامات: عقوبتها السجن لمدة 70-80 عامًا

ما هي التهم الموجهة لـ بابادوبولس؟ مضمون التُهم، أنه كذب على مكتب التحقيقات الفيدرالي في أثناء التحقيق بادعاءات التآمر مع روسيا إبّان حملة الانتخابات الرئاسية الأميركية. واتهم المستشار السابق بأنه كذب على المحققين بشأن أحاديثه مع أجنبي (بروفيسور من إيطاليا) قال له إن في روسيا “آلاف” الرسائل الإلكترونية التي تعرض للخطر منافسة ترامب الرئيسية هيلاري كلينتون. وهذا البروفيسور هو من جمعه بـ “المرأة الروسية”.

بالمناسبة، هذه المرأة ليست الوحيدة التي أشار إليها التقرير، فهناك يرد ذكر “تواصل مع جهاتٍ أجنبية” لم تسمّ، كانت تعمل لـ “تحضير آل ترامب” لزيارة موسكو. ويبقى غامضًا، لماذا يحتاج ترامب إلى سلسلة من الوسطاء الغامضين لتحضير زيارته إلى موسكو، وهو الملياردير الذي زارها بدون مشكلات عام 2013.

سبق أن ذكرت ممثلة البيت الأبيض سارا ساندرس، أن بابادوبولس لم يكن يومًا مستشارًا لترامب. وقالت: “كان هذا الرجل عضوًا متطوعًا في المجلس الاستشاري. ولم يكن كبير المستشارين، ولم يتلق راتبًا، كان متطوعًا، وحسب”.

قالت ممثلة وزارة الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا إن عدم الدقة في توجيه الاتهامات يشير إلى المصادر المفبركة لهذه الوثائق. اقتبست وكالة أنباء (ريا) عن زاخاروفا قولها بشكلٍ خاص: “أعجبني” كثيرًا المقطع، بخصوص آخر صرعات السلطات الأمنية الأميركية التي نصبت يوليا تيموشينكو رئيسةً لأوكرانيا قبل ياناكوفيتش، ونحن لم نكن نعرف بهذا الأمر!”. ومن وجهة نظر زاخاروفا، فإن عمد الدقة “عاملٌ مهم، يشير مرةً أخرى إلى الطريقة التي أُعدت وجُهزت بها هذه الوثيقة. أنتم تعرفون جيدًا أنه عندما يتعلق الأمر بتحقيقٍ جديٍ، فإن مثل هذه الأمور لا يمكن أن تحدث”. وبكلماتٍ أُخرى، فإن الإشاعات التي كانت حتى الآن تملأ الصحف الأميركية وحدها، قد انتقلت إلى الوثائق الرسمية. وبالاستناد إلى نميمةٍ حول “ابنة أخت الرئيس بوتين”، ينوي السيد ميوللر الآن وضع أُناسٍ في السجن، ولفتراتٍ ليست بالقصيرة”.

فعلى سبيل المثال، بول مانافورت مهددٌ بالسجن لمدة تصل إلى 80 عامًا. هذا التوقع، أوردته وكالة أنباء (أسوشيتد برس) بعد تحليل الأحكام التي أصدرتها المحاكم الأميركية في قضايا مماثلة. أما شريك مانافورت غيتس فقد تصل عقوبته إلى 70 عامًا، تنقل وكالة (تاس). كلاهما متهمٌ بخرق 12 بندًا، بما فيها “التآمر ضد الولايات المتحدة”، رفضه أن يسجل ممثلًا لمواطنٍ أجنبي، الإدلاء بمعلوماتٍ مضللة وإلخ. وليس من قبيل المصادفة، أن يقرر كل من مانافورت وغيتس حضور المحكمة طوعًا، حيث أنكرا كافة التهم الموجهة إليهما، وأعلنا أنهما بريئان، مما نُسبَ إليهما. كلا الرجلين تحت الإقامة المنزلية حاليًا.

أوضح لجريدة (فزغلياد) البروفسور والخبير السياسي في جامعة ولاية تينيسي الأميركية أندريه كوروبكوف، لماذا يبدو، للوهلة الأولى، أن اعترافات بابادوبولس السخيفة قد تستخدم ضد الرئيس الولايات المتحدة الأميركية دونالد ترامب.

فيميدا(*) نهاجم ترامب بـ “شوكةٍ ضخمة”

يقول كوبوبكوف: “الآلية هنا بسيطة: تغرس شوكة طعامٍ ضخمة في التشريعات وفي قانون العقوبات، وتراوح عقوبة ذلك الانتهاك بين 100 دولار، وقد تصل إلى السجن لمدة 30 سنة. ويقولون للشخص: “إما أن تتكيف مع الأدلة التي نحتاجها، وعندئذ تحصل على أدنى عقوبة، وإلا؛ فسترسلك إلى السجن”. في مثل هذه الظروف من السهل إرغام الشخص على عقد صفقةٍ مع المحققين. وغالبًا ما تستخدم هذه الآلية في تلك الحالات مع الشخصية الأقل أهميةً؛ لإغوائها على الإدلاء بمعلوماتٍ عن السمكة الكبيرة”.

يرى الخبير أن ثمة هدفين في قصتنا الحالية: الأول هو تحقيقٌ جنائي حقيقي؛ والثاني يتعلق بالعلاقات العامة والرغبة في زرع الشكوك في نزاهة حملة ترامب الانتخابية. وعلى نحوٍ مماثل تسير قضية مانافورت. فغالبية الاتهامات بحقه ترتبط بأوكرانيا، وبمصالح فريق الرئيس الأوكراني السابق فيكتور يانوكوفيتش. بيد أن وسائل الإعلام الأميركية تمكنت من ربط هذه القضية بموسكو، بوصفها حزب المناطق (حزب يانوكوفيتش- المترجم) بـ “الحزب الموالي لروسيا”.

يلخص كوروبكوف الأمر على النحو التالي: “لدى السكان الأميركيين والنُخبة تصورٌ ضعيفٌ عما يجري في تلك البقعة من العالم (أوكرانيا). ولهذا، يتم التعامل في قضية مانافورت، وفق الخطة نفسها التي طبقت مع بابادوبولس. ولكن مع وجود نقطةٍ إضافية، جرى العمل عليها جيدًا في السابق، في أثناء إجراءات العزل ضد بيل كلينتون في قضية “مونيكا ليفينسكي”. يجب خلق وضعٍ، يقوم فيه ترامب أو محيطه المقرب بإنكار أمورٍ ما، ويفضل أن يتم ذلك تحت القسم. ولكن فيما بعد، ولنفترض أن مانافورت سيؤكد أمام المحكمة هذه الوقائع، وأيضًا تحت القسم؛ بعدئذٍ يمكن جرّ ترامب إلى إجراءات العزل، ببساطة، بسبب الشهادة الكاذبة. على الدوام يحاول خصوم ترامب اصطياده بهذه المصيدة”.

منذ يوم الجمعة، أعلنت كافة القنوات التلفزيونية الوطنية والصحف الأميركية أن “الاعتقالات الأولى” في قضية التدخل الروسي في الانتخابات الأميركية ستتم يوم الإثنين، وبالفعل، كان يوم الإثنين أول يومٍ في تاريخ قضية “التدخل” اللانهائية، إذ أعلنت السلطات الأميركية توجيه الاتهامات ضد أشخاصٍ بعينهم.

قامت الصحف الأميركية بإبراز هذا الخبر، ومرةً أخرى بعناوين عن “تدخل روسيا”. في حين لم تتضمن الاتهامات الموجهة لكل من مانافورت وغيتس أي إشارةٍ لروسيا، كما لم يُشر إلى ترامب. ولكن اسم أوكرانيا ورد في مواضع عديدة، حيث عمل مانافورت فيها لسنواتٍ طويلة.

ترامب من جانبه، لفت نظر الجمهور إلى أن جميع الاتهامات ضد مانافورت، مرتبطةٌ بعمله قبل مشاركته في حملته الانتخابية. وقد كتب ترامب على (تويتر): “المعذرة، كل هذا كان قبل وقتٍ طويلٍ من مشاركة بول مانافورت في حملة ترامب الانتخابية. لماذا لا تركزون على هيلاري المحتالة، وعلى الديمقراطيين؟”، آملًا على ما يبدو لفت انتباه الصحافة. وأضاف: “لم يسبق أن تضمن سجل مانافورت أي قضية تآمر”.

وبالمناسبة، الشخصية الثانية في هذه القضية -غيتس- لا علاقة لها بترامب. ولكن يجب ألا تشك لحظة، أن بإمكان الصحافة الأميركية التفكير بشيءٍ ما! فهي في جميع الأحوال ستجد طريقةً ما، لربط الاتهامات بالرئيس الحالي.

(*) فيميدا- آلهة العدالة في الأساطير القديمة، تتمثل امرأةً معصوبة العينين، تحمل بيدٍ سيفًا، وبالأُخرى ميزانًا، وتمثل عملية المحاكمة، عندما توضع القرائن ضد ولصالح المتهم في الميزان.

 

اسم المقالة الأصلية Против Трампа выпустили «племянницу Путина»
كاتب المقالة ألكسي نيتشايف/ يوري زايناشوف
مكان وتاريخ النشر صحيفة فزغلياد. 30 تشرين أول 2017
رابط المقال https://vz.ru/world/2017/10/30/893071.html
ترجمة سمير رمان

 

مقالات ذات صلة

إغلاق