أدب وفنون

ليس لدى “علماني” من يكاتبه

بينما كنت أبحث في أرشيفي القديم، طالعني وجه المترجم الفلسطيني صالح علماني، حول مادة اشتغلت عليها في العام 2009، أثناء إعدادي فيلمًا وثائقيًا، عن حياة وأعمال علماني، أخرجه الفوز طنجور.

أحزنني بطبيعة الحال موقفه السلبي من الثورة السورية، الذي لم يمّيز بين نبالة أهداف الثورة، والأسباب الموجبة لاندلاعها، وبين مواقف الانتهازيين الذين ركبوا موجتها، وممارسات الإرهابيين الذين شوهوا مراميها، إلى أن وصلنا إلى ما وصلنا إليه. في كلّ الأحوال، لست بصدد محاكمة مواقفه السياسية، على الرغم من دهشتي، من أن يقف مثقف ولاجئ فلسطيني، كعلماني وأمثاله، عانى ما عانى، وكابد الكثير، موقفًا يتنكّر للألم والظلم والتهميش، ويقف في صف الظالم ضد المظلومين. في الحقيقة لم أجد تفسيرًا للأمر سوى متلازمة (استكهولم) التي تجعل الضحية تتبنى موقف الجلاد، تحت ضغط الرهاب الذي يعمي بصيرتها. هذا إذا أحسنّا النية. أقول قولي وأنا أستعيد أيامًا حافلة معه، أثناء تصوير الفيلم، سواء في بيته في معضمّية الشام، أو أثناء السفر معه إلى مخيم حمص، وقرية “تل عدّاي” قرب مدينة السلمية، على أطراف البادية السورية، وهو المكان الأول الذي حطّت به أسرته الرحال، بعد هجرتها عام 1948، من قرية (ترشيحا) في الجليل الفلسطيني إلى لبنان، حيث انتقلت من هناك بالقطار من مدينة “رياق”، مع جموع اللاجئين الفلسطينيين الذين وزعوا على المدن، والقرى السورية. تلك القرية “تل عدّاي” هي مسقط رأس صالح علماني، الذي وُلد فيها عام 1949.

بيت المختار:

لحظة وصولنا مع طاقم التصوير إلى مشارف القرية، بحثًا عن البيت الذي وُلد صالح فيه، طلب من السائق التمهّل، وراح يتأمل المشهد، ثم التفت وقال: سكنت أسرتي في غرفة ملحقة ببيت المختار، كانت عبارة عن زريبة لحيواناته، نظفها أهلي، وعشنا فيها بضع سنوات. نجوت من الموت في طفولتي بأعجوبة، إثر مرض ألمّ بي بسبب البرد الشديد. لاحظنا وجود امرأة تجلس أمام باب بقالية في أول القرية. نزل صالح من السيارة، واقترب منها وسألها: هل تذكرين أسرة فلسطينية لاجئة كانت تعيش في القرية؟!

نظرت إليه المرأة بدهشة، وبعد برهة تفكير أجابت: أنا لا أتذكر، لكن لدينا سجل قديم بأسماء العائلات التي سكنت القرية، ثم ندهت على شاب في الداخل، وطلبت منه إحضار السجل، وبينما انهمك صالح في تقليب صفحاته الصفراء باهتمام، طلبت المرأة من ابنها أن يستدعي عجوزًا في القرية عاصر تلك الأحداث.

جاء بعد قليل رجلٌ طويل القامة، قوّي البنية، فلّاح يرتدي جلابية كحلية، ويشدّ حزامًا على وسطه، ويعتمر كوفيةً وعكالًا (يبدو أنه فهم القصة من الشاب)، لذا اقترب هاشًّا.. باشًّا.. مرحبًا، وقبل أن يسأله صالح أي سؤال قال الرجل: هل أنت ابن فلان؟! كيف حال شقيقتك فلانة؟! ثم غرق الرجلان بحديث الذكريات. في الأثناء كان المخرج الفوز طنجور، بالتفاهم مع المصوّر، يسرق لقطات ترصد حالة الانفعالات العفوية التي انفتحت بتدفق بين الرجلين، بينما كانت المرأة تدخل على الخط بين فينة وأخرى.

ذهبنا مع الرجل، كي يدلّنا على بيت المختار، الذي وُلد فيه صالح، لنكتشف أنه لم يبق منه سوى أثر بعد عين: بقايا بيت طيني مهدّم، وجدار ترابي يحيط بالحوش، تعلوه أعشاب برية تعرّش بفوضى في أطراف المكان… لم يتوقف الرجل عن شرح جغرافية المكان، والتغيرات التي طرأت على القرية، منذ انتقال أسرة علماني إلى مخيم “الثكنة” في حمص، حيث عاش صالح هناك، إلى أن حصل على شهادة الدراسة الثانوية عام 1968.

مخيم الثكنة:

كان لنا جولة تصوير أخرى حافلة في أزقة مخيم “الثكنة” للاجئين الفلسطينيين في حمص، وفي البيت الذي عاش فيه صالح، ثمّ عرّجنا على بيت الشاعر الفلسطيني الراحل أحمد دحبور، صديق طفولته العائد من غزة إثر مرض عضال ألمّ به، لتصوير شهادته، وكان برفقتنا الناشر سعيد البرغوثي، صاحب دار كنعان الذي قدم هو الآخر شهادة بأعمال علماني، إضافةً إلى شهادة الروائية السورية سمر يزبك.

سافر علماني، بعد حصوله على شهادة الدراسة الثانوية إلى إسبانيا لدراسة الطب، لكنه اكتشف هناك أن الطريق إلى دراسة الطب طويلة، وتحتاج إلى تفرّغ كامل، بينما هو يدرس ويعمل كي يغطي نفقات دراسته. إذ منعه كبرياؤه الاعتماد على أسرته المتواضعة ماديًا، فقرر ترك دراسة الطب، وتحوّل إلى دراسة الصحافة، لكنه لم يصمد سوى سنة واحدة. مارس في إسبانيا مهنًا متعددة، عمل في الحقول، والمطاعم، واختلط بالقاع الاجتماعي أثناء عمله في الميناء حمّالًا، لكن السؤال: كيف بدأت علاقته بالترجمة؟!

يقول: بينما كنت أتسكع ذات مساء في أحد مقاهي برشلونة، قابلت صديقًا يحمل معه بالصدفة الطبعة الأولى من رواية ماركيز (مئة عام من العزلة). نصحني بقراءتها، فانكببت عليها بشغف، وقد أذهلتني لغتها العجائبية الساحرة فعلًا. قررّت ترجمتها إلى العربية. ترجمت فصلين من الرواية، ثم أهملتها بعد عودتي إلى دمشق، بسبب انشغالاتي الكثيرة، واكتشافي أن سامي الجندي قد ترجمها عن الفرنسية، لكن ماركيز ظلّ يشدني. ترجمت قصصًا قصيرة له، ونشرتها في الصحف المحلية، ثم ترجمت (ليس لدى الكولونيل من يكاتبه) عام 1979.

لفتت ترجمتي للكتاب انتباه الناقد حسام الخطيب الذي كتب: “إن شابًا فلسطينيًا يترجم أدبًا مجهولًا لقرّاء العربية”. كان لتلك الملاحظة أثرها فيّ. قلت لنفسي: “أن تكون مترجمًا جيدًا، أفضل من أن تكون روائيًا سيئًا، وهكذا مزقت مخطوط روايتي الأولى، بلا أسف، وانخرطت في ترجمة روايات الآخرين”.

يضيف علماني: “بعد عودتي إلى دمشق في سبعينيات القرن الماضي، أنهيت خدمتي الإلزامية في جيش التحرير الفلسطيني، وأعدت دراسة الثانوية العامة، وسجلت في جامعة دمشق (كلية الآداب- قسم اللغة العربية). في تلك الفترة، ومع موجة المدّ اليساري؛ ترجمت كتاب سانتياغو كارّيو (الشيوعية الأوربية والدولة)، وتعرفت على صادق جلال العظم، الذي شجعني على ترجمة الكتاب، لكنه أخبرني فيما بعد، أن دار الطليعة في بيروت، أصدرت الكتاب بترجمة سمير كرم”.

المدرعة بوتمكين:

من الطرائف التي حدثت معي –أضاف علماني– ترجمتي لسيناريو (المدرعة بوتمكين) للمخرج الروسي إيزنشتاين. في هذا السيناريو، هناك وصف دقيق لشكل ومحتوى كل لقطة من لقطات الفيلم، الذي صار من كلاسيكيات السينما العالمية، ولم يخطر في ذهني آنذاك نشر هذه الترجمة التي أصبحت من منسياتي. سمع الصديق الشاعر بندر عبد الحميد بالصدفة، بوجود مخطوط السيناريو مترجمًا، ومركونًا في أحد أدراجي، فطلبه مني، وصدر عن مؤسسة السينما في سورية، رغم أنه من ترجماتي الأولى.

درويش وإلبيرتي:

من المحطات المهمة في حياة علماني، عمله في الإعلام الفلسطيني الموحد في فترة ازدهاره. تعرّف في تلك الفترة على الراحل ماجد أبو شرار، والشاعر الكبير محمود درويش، الذي كان يبحث عنه –كما قال أحمد دحبور– على إثر ترجمته بخطّ يده، بقلم رصاص ديوان الشاعر الإسباني الكبير إلبيرتي، على النسخة الخاصة بي، التي حصلت عليها من مؤتمر عالمي للشعراء حضرته مع محمود درويش احتفاءً بإلبيرتي، وكنت قد طلبت من صالح أن يترجمها لي. قدمت فيما بعد تلك النسخة إلى محمود درويش، كي يطلع على ترجمة علماني، فقال لي بعد قراءتها: “هذا الشاب ثروة وطنية ويجب تأميمه”.

بعد فترة، في أثناء وجود محمود درويش في زيارة لدمشق، عرّفه الروائي رشاد أبو شاور على علماني بالقول: هذا هو صالح علماني. على الفور طلب منه درويش ترجمة نص للشاعر الكوبي نيكولاس غييّن. نشره درويش في العدد الثاني من مجلة (الكرمل) عام 1981. أُتيح في العام ذاته لعلماني السفر إلى كوبا في بعثة دراسية لمدة عام. درس خلالها أدب أمريكا اللاتينية، وتعرّف إلى عدد من أبرز كتّابها، بمن فيهم نيكولاس غييّن الذي فرح –كما يقول علماني- كطفل عندما قدمت له عدد (الكرمل) الذي يحتوي على نص مترجم له، لأول مرّة في العربية.

يستدرك علماني: غييّن من أهم شعراء أمريكا اللاتينية، وكان العضو الأكبر سنًا في البرلمان الكوبي، توفي عام 1982، وقد ترجمت له كتابًا، وحصلت منه على صورة شخصية موقعة بخط يده، كانت ستزين الكتاب الذي أرسلته قبل حرب 1982 إلى دار الفارابي في بيروت. بعد الحرب سألت الصديق د. غازي برّو مدير دار الفارابي آنذاك عن مصير الكتاب، فأبلغني أن المخطوط فُقد مع ما فُقد من أشياء في أثناء الحرب.

أسلوبه في الترجمة:

عن آليات عمله، وأسلوبه في الترجمة يقول علماني: “أقرأ النص خمس مرات قبل ترجمته، ثم أبدأ الترجمة مباشرةً على شاشة الكومبيوتر. تراجع نظري في السنوات الأخيرة، لذلك صرت أصوّر الكتاب بحرف كبير، كي تسهل عليّ قراءته، عندما أنجز بضع صفحات، أقرأ النص المترجم بصوت عال، لمعرفة الإيقاع السمعي للجملة، وهكذا حتى أنهي ترجمة الكتاب”.

حول السؤال المتكرّر عن خيانة المترجم للنص الأصلي، وأيهما يعتمد في ترجمته: الدقة، أم الأمانة الحرفية لمضمون النص؟ قال: “بالتأكيد الدقة أولًا، فهي اللازمة التي لا بدّ منها، لكن الأمانة للنص لا تعني تخريب النص الأصلي، تحت هذه الذريعة. بعض المترجمين يرتكبون آثامًا باسم الترجمة الحرفية للنص. إذ لا يتعلّق الأمر بوضع كلمة بدل أخرى، بل بتشكيل جغرافية النص جماليًا، ومعرفة أسرار اللغتين. اللغة الأم، واللغة المترجم عنها”. يضيف: “بكل الأحوال هذا لا يعني تغيير أفكار النص. لكل لغة منطقها الخاص، وليس بالضرورة أن يتقاطع المنطقان بلاغيًا”.

معظم الكتب والأعمال التي نقلها علماني إلى العربية هي نصوص مكتوبة بالأصل باللغة الإسبانية. المرّة الوحيدة التي خرق فيها تلك القاعدة هي ترجمته لكتابين صدرا عام 2006، نُقلا عن اللغة الإيطالية. الأول هو رائعة بوكاشيو (الديكاميرون)، والثاني هو (صنعة الشعر) لخورخي لويس بورخيس، الذي يضم ست محاضرات عن: لغز الشعر، موسيقا الشعر، الاستعارة، موسيقا الكلمات المترجمة، معتقد الشاعر، فن حكاية النص.

من المعروف أن الإيطاليين يعتزون برائعة جيوفاني بوكاشيو (الديكاميرون)، التي كُتبت في مطلع عصر النهضة، كما نعتز نحن بألف ليلة وليلة. قال علماني: وصلت الليل بالنهار، على مدى عشرة أشهر، لتقديم ترجمة لائقة بهذه الرائعة الكلاسيكية، لما تتمتع به من قيمة أدبية ريادية أوروبيًا وعالميًا.

أخيرًا التاريخ وحده هو الذي سيحكم على علماني، وأمثاله من المثقفين والمبدعين. ربما يدين التاريخ موقفه السياسي، من أحداث عصره، لكنه بالتأكيد سوف يثمّن منجزه على صعيد الترجمة، وما أضافته من إغناء للثقافة العربية.

مقالات ذات صلة

إغلاق