تحقيقات وتقارير سياسية

الضباط المنشقون.. الملف البارد

لا توجد إحصاءات دقيقة لعدد العسكريين من الضباط العاملين وضباط الصف والجنود الذين انشقوا عن نظام الأسد؛ ويعود ذلك إلى أسباب كثيرة منها: اعتقال الكثير منهم، وتعرّض عدد منهم للاختفاء القسري، وتصفية من كان يحمل نيّة الانشقاق، وخوف البعض من إعلان انشقاقه، حرصًا على القرابة من الدرجة السادسة له؛ إذ ما تزال ذاكرة السوريين تذكر النقيب الطيار “بسام العدل” الذي هرب بطائرة (ميغ 23) إلى “إسرائيل”، وتم على إثرها طرد أخته من الجامعة، وسجنُ والديه في فرع المخابرات الجوية في زنزانة منفردة، كل على حدة، مدة سنتين، واعتقال أخويه كرهينتين قضى كل واحد منهما ستة عشر عامًا في سجن صيدنايا، إلى حين تسليم أخيهم نفسه للسلطات السورية، وقد فقد أحدهم عقله نتيجة التعذيب والسجن المنعزل.

بهذه الذاكرة الأليمة التي لا مثيل لها في التاريخ البشري، يبقى كثير من الضباط أسرى العزلة والتقوقع، حرصًا على البقية الباقية ممن يحمل اسم العائلة فقط، والذين تفوق درجة خيانتهم للنظام خيانة بسام العدل بنظر النظام.

على وجه التقريب، يُقدّر عدد العسكريين المنشقين منذ بداية الثورة، بعددٍ قد يتجاوز المئة وعشرين ألفًا، منهم نحو 4550 ضابطًا عاملًا، انحازوا إلى ثورة الشعب، ورفضوا أن يكونوا شفرات لطاحونة الموت التي يطحن بها النظام شعبه، قسم منهم يعمل على الجبهات، ومنهم حوالي ألف ضابط في مخيم الريحانية التركي، وقد انخفض العدد مؤخرًا إلى خمسمئة مع عائلاتهم، وأما البقية فقد انصرفوا إلى أعمال حرة لا تناسبهم، كالبيع في البقاليات والعمل في ورش الحدادة والنجارة في تركيا، من أجل تأمين لقمة العيش لأسرهم، ومنهم من عبر البحار كغيره من السوريين طالبًا اللجوء في دول الاتحاد الأوروبي.

تجدر الإشارة هنا، على الرغم من المال المتدفق على الثورة السورية بغية الدعم العسكري أحيانًا، وبغية إغاثة الشعب المنكوب أحيانًا أخرى، إلى أن الضباط المنشقين هم الفئة الوحيدة التي دفعت الثمن مرتين، ولم تلقَ الاهتمام الواجب: مرة من النظام، عندما كان ينظر إلى هؤلاء الضباط نظرة ريبة، تمنعهم من الوصول إلى أي موقع حساس مهم، ومرة من أجندات الثورة والمعارضة السياسية التي تجاهلت قضيتهم، حيث كان من الممكن لهؤلاء الضباط -لو تم تأمين صياغة قانونية وشرعية لحياة أبنائهم ونسائهم- أن يكونوا نواة لتشكيل جيش وطني موحّد، تلتف حوله كل عناصر الثورة المسلحة، ويبقى عدم السماح بتشكيل مثل هذه النواة المنظمة والفاعلة مثار أسئلة واستفهامات، بل ربما اتهامات للدول التي زعمت مناصرة الشعب السوري.

أغلب هؤلاء الضباط تم إصدار أحكام غيابية عسكرية قاسية بحقهم، أي أنهم خسروا وظائفهم وتقاعدهم، ومنهم من أمضى سنوات عمره في الجيش، وهم الآن يعيشون في مخيمات لا تُحقق شروطًا أولية للعيش الكريم، وكان الأجدر بقوى الثورة والمعارضة أن تهتم بكل عسكري منشق؛ لأنَّ تقهقر دور المنشقين، وعدم السماح لهم بتنظيم أنفسهم لينخرطوا في الثورة السورية، مهّد الطريق للقوى الإسلامية المتطرفة وغير المنظمة، والتي تجاوزت مطالبها مطالب الشعب السوري بالتحرر من الديكتاتورية وخلق النظام الديمقراطي الجديد إلى مطالبَ لا تعني حرية السوريين بأي معنًى من المعاني. ولو تمّ تمكين الضباط المنشقين من استلام زمام الأمور وجعل القوى الإسلامية المعتدلة تبعًا لهم، وتكامَل الطرفان، هذا بخبرته واعتياده على النظام وفهمه طبيعة الجيش السوري، وهؤلاء بقوتهم المعنوية والروحية؛ لكان من الممكن للطرفين أن يستفيد كلٌ من الآخَر، وفق رؤية واحدة تضع سورية على السكة الجديدة في دحر النظام، وتمكين الشعب من حكم نفسه بنفسه.

بعد هذا الخراب والفوضى والدمار، من الصعب أن تكون سورية كما نريد في الأماني والمقالات والدراسات، بل يجب المسارعة إلى تحسين شروط الواقع، إذ ربما تتغير المعطيات، فيكون وجود هيكل عسكري وطني مُنظّم وموحد هو الخطوة الأولى لتنفيذ أي أمنية في مقال أو مقترح ديمقراطي في كراس.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق