كلمة جيرون

عين الإبداع ومخرز الطغاة

 

نستطيع -تجاوزًا- أن نقول إن السينما “رهينة العتمتين”: عتمة إبداعية أصيلة تصنعها عين المخرج، تُظهر الصور الفنية المتدفقة خلال العرض، وعتمة غريبة عنها، تأكل كبد برومثيوس، هي عتمة الاستبداد والعبودية والتخلف. سأحملُ إذًا مشعل السينمائي الأول الذي كشف سرَّ النار للبشر، وألبسُ أسماله، وأصعد جبال القوقاز حافيًا؛ علّي أشق طريقي، نحو قبس، بين هاتين العتمتين!

كان بروميثيوس المبدعَ الأول، ويعني اسمه “بعيد النظر”، يملك المعرفة والقدرة على التنبؤ بالمستقبل؛ فقام بسرقة النار من جبل الأوليمب، ووهب سرها للبشرية؛ فأمر كبير الآلهة “زيوس”، بصلبه على صخره في جبال القوقاز، وسلّط عليه نسرًا يأكل كبده كل نهار. ومنذ “واهب النار” ذاك، المبدع الحقيقي يدفع ثمنًا باهظًا؛ بسبب دفاعه عن الحقيقة وحبّه الناس.

لو كان مخترعا السينما “الإخوة لومير” يعرفان كم من مُخرِجٍ سيُقتل، بجريرة هذا الفن الساحر؛ لاخترعا له أنيابًا ومخالب تدافع عنه أيضًا! لكن الفن يملك أسلحة أخرى لا تقاوم:

قُبِض على المخرج الإيراني جعفر بناهي، وهو يقوم بصناعة فيلم، وحُكِم عليه غيابيًا بالسجن، لكنه قام بتصوير فيلمه (هذا ليس فيلمًا) بكاميرته اليدوية، وتم حفظ النسخة الوحيدة منه في شريحة مخبأةً في بيته، داخل كعكة عيد، حتى وصل إلى مهرجان (كان) السينمائي تهريبًا؛ فأحدث ضجة ونال تفاعلًا كبيرًا وتضامنًا عالميًا.

وفي تركيا سُجن المخرج يلماز غوني ظلمًا؛ لكنه ألّف في زنزانته عدةَ سيناريوهات، وقام من داخل سجنه بإخراج أفلامه، وتوجيه مجموعته حول كيفية تصوير اللقطات وتقطيعها، وبالتعاون مع عدد من أصدقائه، تم تهريبه من السجن وإنقاذه من الموت، فهرب إلى فرنسا؛ حيث مات هناك بسبب المرض، قبل بلوغه الخمسين من عمره.

كذلك فعلوا بمؤسس السينما الشاعرية، المخرج السوفييتي آندريه تاركوفسكي، الذي كان امتدادًا لأدب بوشكين، ودوستويفسكي، وتولستوي، وقد بلغ مكانة مرموقة داخل أوروبا وخارجها، وأصبح من أهم صناع الأفلام في التاريخ. لكنه وقع ضحية الظلم والاستبداد، فعاش قلقًا داخل بلاده، بسبب ملاحقته ومراقبته، وتوقيفه عن العمل، ومنع أفلامه، ثم نفيه أخيرًا خارج وطنه، حيث مات غريبًا في فرنسا 1986، في الخمسينات من عمره!

وفي اليونان، انتهت حياة أحد أهم رموز السينما المخرج ثيو أنجيلوبولوس، بحادث دهس مأسوي بواسطة دراجة نارية، في موقع تصوير فيلمه الذي لم يكتمل (البحر الآخر).

وكذلك دُهس المخرج الشهير باولو بازوليني صاحب (ماما روما) و(أوديب ملكًا)، في حادثة أخرى (على شواطئ أوستيا في روما)، كانت الأكثر عنفًا ومأسوية في تاريخ السينما؛ حيث تم صدمه وسحق جسده (بسيارتهِ الخاصة) عدة مرات، ذهابًا وإيابًا.

كما حاول كوروساوا الانتحار، قبل وفاته بالسكتة القلبية 1998، وهو المخرج الياباني الأكثر شعبية في العالم.

ومن المخرجين العرب، المصري نيازي مصطفى الذي تم العثور على جثته في شقته بحي الدقي عام 1986، ولم يتم كشف لغز مقتله حتى الآن. والمخرج العراقي عدنان إبراهيم الذي قُتل ذبحًا في مكتبه بدمشق عام 2007… والأمثلة على ذلك -عبر التاريخ- تُعدّ ولا تحصى! فمن منا لا يعرف مأساة الحلاج والمتنبي والسهرودي وابن المقفع وابن رشد، ومن قبلهم امرؤ القيس وطرفة بن العبد، وبعدهم جميعًا عشرات المبدعين السوريين، ممن كسرت أصابعه أو انتزعت حنجرته أو اعتُقل أو مات تحت التعذيب أو بقذيفة أو صاروخ، أو سكين أو تفجير إرهابي، أمثال المخرج الشهير مصطفى العقاد والمخرج الشاب باسل شحادة، وثامر العوام، والمسرحي زكي كورديللو، وعدنان الزراعي

لكن الإبداع لم يمت، ولن يموت. فالعين الوحيدة التي تستطيع أن تقاوم مخرز الطغاة، هي عين الإبداع.

مقالات ذات صلة

اقرأ أيضاً

إغلاق
إغلاق