قضايا المجتمع

رضا سعيد

 

الدكتور رضا سعيد، الأكاديمي والسياسي الذي ارتبط اسمه بالجامعة السورية، هو أحد أهم مؤسسيها، إنه ابن دمشق الذي ولد عام 1876، لأسرة ميسورة الحال، ودرس المرحلة الابتدائية والثانوية في (المدرسة الرشيدية العسكرية).

تابع سعيد تعليمه في (المدرسة الطبية العسكرية) في إسطنبول، وتمّ تعيينه فيها، بعد تخرجه عام 1902، كمساعد في قسم السريريات العينية، فمعاون لأستاذ أمراض العين، ثم رئيس جناح طبي عام 1908 برتبة (قول آغاسي) -وهي رتبة عثمانية تعني “الجناح الأيسر”- وفي عام 1909 أوفد إلى مشفى (أوتيل ديو) في باريس، لينال عام 1911 شهادةً في الطب العيني، بدرجة (مونيتور)، وهي تعني طبيبًا باحثًا.

عاد إلى دمشق عام 1913، وبدأ عمله كطبيب (عيون)، وكانت تسمى -حينذاك- (كحّالًا)، وبعد عام من عودته، شغل منصب رئيس أطباء (الخط الحديدي الحجازي)، ثم عُيّن مديرًا لخطوط السكة الحديدية السورية، فرئيسًا لبلدية دمشق عام 1917، وكانت تلك الفترة غنية بالأحداث التاريخية والمتغيرات الكبرى على مستوى العالم والمنطقة، ومنها الحرب العالمية الأولى 1914، كما ترافقت مع انطلاقة النهضة العربية التي أخذت تتوسع وتتضح معالمها، منذ بدايات القرن الماضي، وقد عانت دمشق في تلك السنوات من مجاعة كبيرة، عايش سعيد جزءًا منها، عندما كان رئيسًا للبلدية، وحاول جاهدًا التصدي لها للتخفيف من وطأتها على الناس.

بعد استلام الملك فيصل الحكمَ في سورية، بدأ سعيد يعمل على إعادة افتتاح كافة المعاهد العلمية التي أغلقت بسبب الحرب، واستطاع عام 1919 تأسيس (مدرسة الطب العربية) -وهي أول مدرسة طبية في دمشق يتم التدريس فيها باللغة العربية- لتصبح في عام 1920 (المعهد الطبي العربي) الذي انتُخب عميدًا له.

أطلق سعيد فروعًا طبية جديدة في المعهد، حيث أسس قسمًا لدراسة التمريض والقبالة، وآخر للصيدلة، وقسمًا لطب الأسنان، وهكذا وضع لبِنات أركان صرح أكاديمي في دمشق، وقدّم أيضًا في ذلك الحين للطلاب والمختصين، ترجمة كتاب عن اللغة الفرنسي، بعنوان (مبحث في أمراض العيون للمتمرنين)، وهو أحد أهم مراجع طب العيون، وتابع العمل الحثيث، بدفع فريق التدريس على تعريب المصطلحات الطبية، كما نجح في إقناع سلطات الاحتلال الفرنسي بعدم إغلاق المعهد، وأخذ يعمل على توسعته، متحديًا ظروف الاحتلال السياسية والاقتصادية والعسكرية الصعبة.

نجحت جهوده في إصدار “قرار تأسيس جامعة دمشق عام 1923″، ليصبح أيضًا أول رئيس لها، وليعمل على تأهيل كادرها العلمي والإداري، ويفسح المجال لتأسيس (معهد الحقوق)، وهو أول قسم حقوقي أكاديمي في الشرق الأوسط، كما ثابرت الجامعة على التدريس باللغة العربية، على الرغم من الصعوبات الأكاديمية والسياسية؛ وبذلك تعدّ (الجامعة السورية) هي الأولى والوحيدة في العالم التي تدرس العلوم باللغة العربية.

في عام 1924، استلم سعيد وزارة (المعارف) في أول حكومة سورية، شُكّلت برئاسة صبحي بركات، تحت الانتداب الفرنسي، وقد استقالت بعد انطلاق الثورة السورية الكبرى عام 1925، فعاد سعيد إلى عمله في رئاسة الجامعة، وتابع في الوقت نفسه جهوده لنيل الاعتراف بالشهادة الثانوية السورية، وفعلًا أصبحت عام 1929 معترفًا بها، كما البكالوريا الفرنسية، كشرط لدخول الجامعة، وكان طموحه الكبير في تدعيم ورفع مستوى الجامعة السورية، وبخاصة في مجال الطب، لتنافس “معهدي الطب الفرنسي والأمريكي في بيروت”.

طلب سعيد عام 1936 من أول رئيس للجمهورية -آنذاك- محمد العابد، أن يوافق على تقاعده من رئاسة الجامعة، وفعلًا صدر مرسوم رئاسي بذلك.

كرّمته في مسيرة حياته جهاتٌ مختلفة، ونال عدة أوسمة منها “وسام الاستحقاق العثماني، الوسام المجيدي، وسام الحرب العثمانية، وسام التاج الحديدي من حكومة النمسا، وسام باريس في جوقة الشرف الفرنسي ووسام كوماندور، وسام المعارف المصري، وسام الصليب الأحمر، وسام الاستحقاق السوري من الدرجة الممتازة”.

توفي الدكتور رضا سعيد في 28 تشرين الأول/ أكتوبر 1945، في دمشق ودفن فيها، وودعت سورية شخصية علمية ووطنية، فرضت احترامها على الجميع، وساهمت في عطاءات كبيرة، يكفيه منها جهوده في تأسيس (الجامعة السورية)، كما أُطلق اسمه -لاحقًا-على الشارع الرئيس المجاور لجامعة دمشق وسط العاصمة.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق