ترجمات

نيو يورك تايمز: ما الثورة الروسية؟

متظاهرون يحملون صور جوزيف ستالين، وفلاديمير لينين، في مسيرة بمناسبة الذكرى المئوية لثورة 1917 الروسية. تصوير كودريافتسيف/ وكالة الصحافة الفرنسية- صور جيتي

لمعظم البلدان مستقبلٌ لا يمكن التنبؤ به؛ أما روسيا، فلديها ماضٍ غير معروف. تنهض على غير المتوقع شجرة الكستناء القديمة، هذا العام، حيث كافح الكرملين لإيجاد وسيلةٍ رسمية مناسبة، للاحتفال بالذكرى المئوية لثورة 1917 الروسية.

إنَّ التلاعب بالتاريخ، لأغراضٍ سياسية، ليس أمرًا غيرَ عاديّ؛ فكر في إدارة ترامب والحرب الأهلية. ولكنْ في روسيا، كان استحضار التاريخ وسيلةً مزمنة، لإعلان الانتماء السياسي أو الأيديولوجي. كانت “ثورة تشرين الأول/ أكتوبر الاشتراكية العظمى” الأسطورةَ التي أسست الاتحاد السوفيتي. يوم 7 تشرين الثاني/ نوفمبر (25 تشرين الأول/ أكتوبر، وفق التقويم الروسي القديم)، هو تاريخ الانتفاضة التي أتت بالبلاشفة الى السلطة، وهو يوم العطلة الوطنية الذي استعرضت فيه الدبابات، والصواريخ، والجنود المبتهجون في الساحة الحمراء.

إنَّ تاريخ الثورة والماضي القيصري -والعالم كله أيضًا- كُتبَ ليتناسب مع أسطورة روسيا السوفيتية، باعتبارها طليعة الحضارة، وويلٌ لأولئك الذين يعبثون بالرواية الرسمية؛ إلا إذا كانوا الأوصياء على الرواية الرسمية، الذين يُسمح لهم أحيانًا بإعادة كتابة أو تحديث ذلك التاريخ، مثلما حدث عندما تحوّل ستالين فجأةً من “نصف إلهٍ” إلى شخصٍ هامشيّ.

أخرجتْ نهاية الاتحاد السوفيتي عام 1991 التاريخ عن مساره؛ فانهيار الدكتاتورية الاستبدادية التي أطاحت الملكية المطلقة، أجبر الروس على مواجهةٍ مهمةٍ مؤلمة تتمثل في اختيار ما سيمجدونه، وما سيدينونه، وما سيفتخرون به. كما تنتشر اليوم مناقشاتٍ حماسية، حول ما دور “الليبرالية” و”الديمقراطية” أو “الانتخابات” التي كان من الضروري أنْ تكون قد حدثتْ، قبل قرنٍ من الزمن.

أولئك الذين يتوقون إلى دولةٍ قوية -والرئيس فلاديمير بوتين من بينهم- قد توصلوا إلى أنْ يلقوا باللوم على لينين، بما يتعلق بالتكاليف المحلية المتعلقة بالأراضي، التي تحمّلها للخروج من الحرب مع ألمانيا، والتي يعود الفضل لستالين في استعادتها من جديد (حتى تم تفكيك البلاد من قبل ميخائيل غورباتشوف، وبوريس يلتسين). كما يُنظر إلى آخر قيصرٍ: نيكولاس الثاني، على أنَّه سيدٌ ضعيف سمح بغباءٍ بتأسيس الاستبداد، أو شخص فشل في التماشي مع المدّ الديمقراطي. بينما أعلنت الكنيسة الكاثوليكية الأرثوذكسية قداسته كشهيدٍ مثاليّ يخاف الله.

مثل سقوط الشيوعية بداية الحرية للبعض، وانهيار الإمبراطورية للبعض الآخر، وبكل بساطة، غير ذي أهمية بالنسبة إلى العديد من الروس، تحت سن 35، الذين، وفقًا لاستطلاعات الرأي العام، لا يعرفون الكثير عن عام 1917.

الثورة لا تخدم بشكلٍ مريح أيًّا من الروايات المتنافسة؛ لقد تغيّر مفهوم “الثورة” المقدس في الأساطير السوفيتية، تغيّرًا جذريًا، بعد الفوضى والإفقار في التسعينيات، وحتى اليوم، فالغالبية الساحقة من الشعب الروسي، من جميع الفئات، تعلن أنَّ “كل ما يحدث، ثورة في البلاد غير مسموحٍ بها”. وهو أيضًا الشعور الذي يشاركه بوتين تمامًا، على الرغم من أنَّ سببه قد يكون الخوف من فقدان السلطة، بالطريقة التي فعلها جيرانه الأوكرانيون في” ثوراتهم الملونة”، وليس خوفًا من الفوضى.

التاريخ الذي سعى السيد بوتين إلى كتابته هو تاريخٌ تكون فيه روسيا استمرارًا لدولةٍ روسية كبيرة، وقوية كانت موجودةً على مرِّ القرون، في عهد القياصرة والبلاشفة. وفق هذه الرؤية، فالثورة هي نكسةٌ يحرّض عليها الخارج. وقال سيرجى ناريشكين، رئيس الجمعية التاريخية الروسية الرسمية، وهو أيضًا رئيس دائرة الاستخبارات الخارجية الروسية، عندما تحدث إلى اللجنة المنظمة المكلفة باحتفالية الذكرى المئوية للثورة، عن تلك المراكز: “إنها بشكلٍ رئيسٍ خلف المحيطات، حيث تُتخذ قرارات تمويل الانقلابات”.

لم يتمكنْ الكرملين ببساطةٍ من التستر على الثورة الروسية، لذلك قلّل بوتين من أهميتها، وأشار الأمر الحكومي الرسمي للاحتفالات إلى “ثورة 1917 في روسيا” وحسب، وليس العظمى، أو الروسية، أو الاشتراكية، أو تشرين الأول/ أكتوبر، أو أيّ صفةٍ أخرى من شأنها أنْ تنطوي على تمجيدٍ أو استخفاف. والدرس الذي أكدَّه السيد بوتين هو الحاجة إلى المصالحة “تعزيز التوافق الاجتماعي، والسياسي والمدني الذي نسعى إلى تحقيقه اليوم”. ولا تخطيطَ أو ترتيب لأيّ أحداثٍ وطنية رئيسة.

الصمتُ الرسمي لا يعني أنّه لم يكنْ هناك أيّ إثارةٍ في يوبيل هذا العام؛ فثمة فيلم اسمه (ماتيلدا)، حول علاقةٍ بين نيكولاس الثاني، عندما كان لا يزال وريثًا للعرش، وراقصةٍ تُدعى “ماتيلدا كسشيسينسكا”، أشعل صخبًا في البلاد، قبل فترةٍ طويلة من عرضه، وقد طالب أحد المشرعين بمنعه؛ لأنه يمكن أن يحطم صورة قيصرٍ مقدس، كما حاول المتطرفون المسيحيون الأرثوذكس إشعال النار في مسرحٍ، يُعرض فيه الفيلم في يكاترينبورغ، حيث قُتلت عائلة القيصر، وتطلّب العرض الأول، الشهر الماضي، إجراءاتٍ أمنية شديدة. لا أحد يتحكم بالماضي.

 

 

اسم المقالة الأصلي What Russian Revolution?
الكاتب سيرغي سشميمان، Serge Schmemann
مكان النشر وتاريخه نيو يورك تايمز، The New York times، 7/11
رابط المقالة https://www.nytimes.com/2017/11/07/opinion/russian-revolution.html
عدد الكلمات 668
ترجمة أحمد عيشة

 

مقالات ذات صلة

إغلاق