قضايا المجتمع

“أكره الحرب، لقد نسينا العالم برمته”: معاناة أطفال سورية المستمرة

يحتفل العالم، يوم 20 تشرين الثاني/ نوفمبر، باليوم العالمي للطفل، لكن ليس هناك ما يجعلنا نحتفل بأطفال سورية، حيث وُلد 4 ملايين طفل سوري بعد عام 2011، ولسوء الحظ، لم يعرفوا شيئًا سوى الحرب. وبالنسبة إلى ملايين آخرين، كانت الحرب هي التجربة السائدة في حياتهم؛ لأن القتل نال من أصدقائهم وأقاربهم، ودمّر مدارسهم وبيوتهم، ووضعهم في حالة من الفقر المدقع. الأطفال السوريون هم مستقبل البلد، لكن ما المستقبل المرجو من هؤلاء الأطفال؟

تحدث التقرير الأخير للأمين العام الأمم المتحدة، عن الأطفال في النزاعات المسلحة، وصرّح بأنّ عام 2016 هو الأكثر دموية بالنسبة إلى الأطفال السوريين حتى الآن، حيث قُتل نحو 652 طفلًا. ومن المرجّح أن يكون الرقم أكثر من ذلك بكثير، حيث أفادت الشبكة السورية لحقوق الإنسان أنّ عدد القتلى من الأطفال وصل إلى 3923 في عام 2016 وحده، وفي أغلب الحالات كان النظام هو المسؤول عن ذلك.

يعيش ملايين الأطفال في سورية، تحت التهديد المستمر بالقتل؛ فلا يجلب صوت الطائرات الحربية والانفجارات الموتَ والحزن إلى بيوتهم فحسب، بل يطاردهم حتى في أثناء ساعات نومهم. ويعود هذا الأثر النفسي العميق إلى أنّ ثلثي الأطفال السوريين قد شهدوا مآسي الحرب، وعرفوا معنى خسارة أحد أفراد أسرهم، أو شهدوا قصف بيوتهم، أو تعرضوا لإصابات جسدية.

وظهرت جليًا حقيقة أنّ الأطفال السوريين لن يتم تحييدهم في الصراع منذ بداياته؛ فعندما اندلعت التظاهرات في عام 2011، لم يُظهر النظام رحمة تجاه القاصرين من المتظاهرين، فقتل واعتقل وعذّب كل من عارض حكمه، بغض النظر عن عمره. وارتُكبت هذه الجرائم حتى قبل عام 2011، وبالأساس، كان اعتقال وتعذيب أطفال درعا شرارةَ اندلاع الثورة السورية.

علاوةً على ذلك، حدثت زيادة مقلقة في ظاهرة تجنيد الأطفال، وتُظهر إحصاءات الأمم المتحدة أنّه، في عام 2016 فقط، جرى تجنيد أكثر من 850 طفلًا في سورية، أي أكثر من ضعف المجندين في عام 2015، غير أن الأرقام، حتى في هذه الحالة أيضًا، قد تكون أعلى بكثير. ولا يقتصر هذا الأمر على مجموعة مسلحة بعينها، بل يشمل طيفًا كاملًا من الأطراف العسكرية في سورية، بما في ذلك فصائل الجيش السوري الحر و”قوات سورية الديمقراطية” وتنظيم (داعش) والنظام السوري. وتشير الشبكة السورية لحقوق الإنسان إلى أنّ “وحدات حماية الشعب” الكردية هي الأكثر تجنيدًا للأطفال، مع أكثر من 1926 حالة موثقة. ويجري تجنيد بعض الأطفال قسرًا، بينما ينضمّ آخرون إلى الجماعات المسلحة، لأسباب أيديولوجية واقتصادية، كوسيلة لدعم أسرهم. وكان الجنود الأطفال يقاتلون على الجبهات أو يُستخدمون كقناصة أو جواسيس، أو يكلَّفون بمهمات أخرى، كتسليم الذخائر وسحب الجرحى. وينبغي إنهاء هذه الممارسات البغيضة.

لم توقّع وتصدّق سورية على اتفاقية حقوق الأطفال فحسب، بل أيضًا، على البروتوكول الاختياري الإضافي الخاص بالأطفال في النزاعات المسلحة. وتلزم الفقرة الأولى من البروتوكول الدول والجماعات المسلحة بمنع القاصرين دون سن 18 من المشاركة المباشرة في الأعمال الحربية. إضافة إلى أنّ التجنيد المباشر للأطفال دون سن 15، في النزاعات المسلحة، يُعدّ جريمة حرب، بموجب قانون المحكمة الجنائية الدولية.

وبصرف النظر عن القنابل والرصاص، فإن الظروف المعيشية للأطفال مروعة؛ إذ يعيش نحو 5.8 مليون طفل في عوز المساعدات، من بينهم 226 ألف طفل في مناطق محاصرة، و1.68 مليون طفل في مناطق يصعب الوصول إليها. وقد حرم الاستهداف المتواصل للبنية التحتية المدنية الأطفالَ من أبسط الخدمات الأساسية؛ حيث يواجه ثلث الأطفال في البلاد صعوبات في الحصول على اللقاحات الأساسية، نتيجة تدمير آلاف المرافق الطبية، فضلًا عن انتشار الأمراض السارية. ففي حزيران/ يونيو من عام 2017، عاد مرض شلل الأطفال، والذي جرى القضاء عليه في سورية منذ عام 1995، ليصيب من جديد 45 طفلًا.

يواجه مستقبلَ الأطفال السوريين حاجز آخر، وهو عدم حصولهم على التعليم، إذ جرى توثيق أكثر من 4 آلاف هجوم على المدارس منذ بداية الصراع، وتعرّض ثلث المدارس إلى أضرار جسيمة جعلها غير مؤهلة للاستخدام؛ ليُحرَم بذلك نحو مليوني طفل سوري من التعليم الأساسي، مع عواقب وخيمة تطال تنميتهم الاجتماعية والشخصية ومستقبلهم.

وجدت دراسة أجرتها منظمة (أنقذوا الأطفال) أنّ الظروف القاتمة التي تواجه الأطفال السوريين جعلتهم في حالة من الإجهاد المضني؛ إذ أصبحت حالات التبول اللاإرادي، وإيذاء النفس ومحاولات الانتحار، وتعاطي المخدرات والسلوك العنيف، شائعة بصورة كبيرة. ما لم تعالَج هذه المشكلات على الوجه الصحيح؛ فستنتج عواقب لا يمكن علاجها تؤثر على السلامة العقلية والبدنية لهؤلاء الأطفال.

قال نيلسون مانديلا ذات مرة: “ليس هناك وحي لروح مجتمعٍ ما أكثر اتقادًا من الطريقة التي يتعامل بها مع أطفاله”. وتظهر الروح المنكسرة لسورية، من خلال عيون أطفالها.

 

العنوان الأصلي “I hate the war… the world has forgotten us”: The ongoing suffering of Syria’s Children
الكاتب لورينزو باريلا Lorenzo Barella
المصدر مركز حرمون للدراسات، برنامج الباحثين الزائرين الدوليين
المترجم وحدة الترجمة والتعريب

 

مقالات ذات صلة

إغلاق