أدب وفنون

عتاب حريب.. مائيات راقصة

تُعدّ الفنانة عتاب حريب، في ذاتها الشخصية وفي فنها، عازفةً منفردةً على مفاتن رسومها المائية، وأشبه بفراشة الفن التشكيلي السوري المُعاصر، المرتحلة ما بين تجليات الزمان والمكان والذاكرة الحسيّة، المفتونة بمناظر الطبيعة الخلوية ومساراتها الرئوية. وتُشكل في لوحاتها ذلك الطقس البصري الجميل الموشى بألوان الدائرة اللونية مجتمعة، بملوناتها الأساسية والمشتقة. تبني من خلال عناقها جسور تواصل حسي، مع ذائقتها البصرية جملة وتفصيلًا. وتجعل من الملونات المائية الشفافة (أكواريل) والدسمة (أكرليك)، المجال التقني الأكثر وضوحًا في قص تفاصيل غوايتها السردية. هي التي تشبه لوحاتها تمامًا، وتلامس يوميات حياتها الشخصية الحافلة بالترحال والأسفار والتنقل، ما بين المدن والبلدان. لوحاتها منفلتة من عقال الرتابة والنمطية وتعزف بيانها السردي على طريقتها الخاصة، ونجد لمضامين لوحاتها ذلك التنوع الشكلي والكثرة في توزيع العناصر والمفردات وتآلف الملونات في درجاتها اللونية ليونة وحركية. تموج في متنها النصي ونسيجها التقني تقاسيم الاتجاهات الحداثية، ولا تلتزم المعايير المدرسية الأكاديمية في بوح نشيد إنشادها الوصفي. مُغردة -على الدوام- خارج سربها الشكلي المتمايز شكلًا ومضمونًا ورصف مكونات وتقنيات.

يحظى المتابع لمسيرتها الفنية بقسط معين من المتعة الشخصية، من خلال تصفح واحة رسومها ومداد بحثها التقني، المُعشب بذلك الفيض الشكلي من البساطة والسذاجة الشكلية المقصودة العفوية والفطرية، وتناولها كحزمة واحدة جامعة لأمكنة وأزمنة متعددة ومتعاقبة أيضًا، مربوطة جميعها بخيط ابتكاري واحد، يدل عليها دون حاجة المتلقي لرؤية تواقيعها على لوحاتها، ويجدها مُنحازة تمامًا، منذ رحلة البحث التقني المُبكرة من رسم المناظر والمواضيع المتصلة بالطبيعة الخلوية والصامتة وسواها، ومُغادرة –عن قصد- لمناظر التشخيص التصويرية؛ لأنها ترى الإنسان مسكونًا في رمزية السرد، ومتواريًا في متنها بحركية إيقاعات المكونات داخل أحضان بيانها التشكيلي، ومُكتفية بتبيان هذا التناسق الشكلي والتجانس اللوني، داخل كل لوحة من لوحاتها.

ومع متواليات البحث والتجريب؛ قد يتلمس المُتلقي أيضًا، في طياتها مُتسعًا لحالة التيه السوري والتشتت والفقدان، والحنين والنجوى والمعاناة والذكريات المتشحة بأنسام الأمل، الموصولة بلحظات المعايشة اليومية لذاتها ومن حولها من أصدقاء وأبناء ورفقة وخلان. نجدها وفية لأسلوبها التقني (الملونات المائية واللصق الورقي/ كولاج)، لكونهما ترجمات حسيّة عفوية مُعبّرة عن مواضيع الطبيعة الخلوية، وتجد فيها فسحةً ما للتلوين الموشى بمزق من بقايا صور ومخطوط كلمات جاهزة، باعتبارها رؤية تقنية متناسبة وفكرة مواضيعها التركيبية ومتماهية مع تفردها التعبيري.

ما تستلهمه ذاكرتها البصرية ومعايشتها لواقعها من ذكريات مُفرحة حينًا، وأحزان سورية كللت حياتها بوافر الحزن والدموع حينًا آخر، تلك المرافقة ليوميات ترحالها القسري عن بلدها سورية، والتنقل ما بين الدول. وجدت في قليل من التشخيص مجالًا ممكنًا للتعبير عما يجول في ذاكرتها البصرية، ومسيرة أحزانها المفجوعة -مثل كل السوريين الحزانى في دروب الآلام- بوطنها سورية، وابنها “مازن” الشاب الطموح الذي قتلته يد القتل الإجرامية.

تُشكل ذاكرة المكان البصرية “الطبيعة”، لدى الفنانة عتاب حريب، المجال الحيوي لابتكاراتها كعناصر ومفردات ومكونات منثورة فوق سطوح اللوحات، معانقة لملوناتها المائية وقصاصاتها الورقية وسواها، كمعادل تقني لبوح مسارات سلوتها الجمالية، وفسحة تعبيرية لتجليات ذاتها الشخصية وارفة التقاسيم الشكلية، والمؤتلفة من غنائية اللون والمساحات الحاضنة، والمصحوبة بعفويته وفطرته في عموم لوحاتها التشكيلية؛ تلك المتناسلة من وحي مُعايشتها الوجودية لجماليات متنوعة، وموزعة على امتداد الجغرافية السورية والمتوالدة -أيضًا- من أماكن ترحالها المُستدامة في البلدان العربية والأعجمية. وكان لها تأثير واضح في مسيرتها الفنية الممتدة، طوال أكثر من ثلاثة عقود من الزمن.

هي من الفنانات اللواتي عشقن الطبيعة الخلوية عمومًا والسورية خصوصًا، وتغنوا بها في لوحاتهم الملونة بعشرات التذكارات. وكانت الطبيعة في اتساعها، وما تزال -حسب رؤيتها الفنية- هي أفضل معلم للرسام والفنان، وأكثر قدرة في صقل موهبتها وعونًا لها في اكتساب خبرات سرد بصرية مُضافة. وهي التي فتحت عيونها عليها طفلة ويافعة وبالغة وسيدة راشدة. ركضت في أحضانها وتنسمت هواءها وشمسها الساطعة التي تغمر حقولها بجميع زخرفها الطبيعي والمجتمعي والجمالي.

لوحاتها مُتسعة لجميع نصوصها البصرية المسرودة والمصحوبة، بتدرجات الدائرة اللونية الأساسية منها والمساعدة والمشتقة، تأخذ جرعة لونية جامعة لمقامات وصفية، مُستلهمة من مواسم الحقول الذهبية، في الطبيعة السورية والأراضي الممتدة على جانبي نهر الفرات ومواسم الحقول والحصاد والعطاء، في موطن ولادتها بالجزيرة السورية الحافلة بملونات قوس قزح، مصحوبة بغناء الفلاحين وفرحهم المفتوح على النبل والكرامة والبساطة والخير والعفوية، أو العاصي أو الساحل السوري، ومرابع جبالها الشامخة، أو تلك المنادمة لبوح نهر بردى، بفروعه العابرة لأيام الخير والمحبة في مدينة دمشق القديمة وبيوتها العتيقة. تجعل من ملوناتها المتعانقة والمتداخلة فسحة حركية لاتساع رقعة الرؤى وتموج المساحات المتجاورة والمتداخلة والمتوافقة، أو المتناقضة حدة لونية وكثافة أو شفافية، وتسعى من خلالها إلى عزف تقاسيم متعتها الشخصية، بما لديها من تقانة مواد وخامات مُحققة لشغفها التشكيلي. تُدون من خلال حركة يدها المرنة المعشبة بحسها التعبيري المُباشر عبر فُرش الألوان المشبعة بدسامة اللون وشفافيته؛ تلك المتهادية فوق سطوح الخامات الورقية، والسابحة بتواشيح الماء العبثية في رغبة شبقه لعناق ما، ومُستحب لمداد ملوناتها ورؤاها البصرية المُدرجة فوق خامات السطوح، مُؤثرة طريق الحرية المفتوحة على جميع الرؤى البصرية والمكونات. حرية العفوية الواعية لتناغمها الشكلي محمولةٌ بالفوضى المقصودة المهرولة على سطوح اللوحات، هي وليدة لحظتها الوصفية غير المكبلة بخطوط الرسم التمهيدية (اسكتش أو كروكي)، تفيض غزارة شكلية، وتنوعًا لونيًا حسب عجائنها اللونية الموصولة بتجليات التبسط المساحي المُتداعية في منثور فتنتها اللونية، ومن خلال مهارات وتقنيات مائية، أتقنتها عبر رحلتها الفنية وبحثها التجريبي. ترنو إلى بلوغ متعة البناء الشكلي والهندسة المعمارية للمكونات، في قوالب تشكيلية مباشرة وعفوية لمحسوس أو مُتخيل، مُتناثر ما بين مقامات النصوص والأشياء والشخوص. كل مرحلة من مراحل اشتغالها مُتصلة بالمرحلة التالية، وهي حالة طبيعية في مسيرتها الفنية العاكسة لبصمتها البحثية المشروعة والمواتية لبحثها التشكيلي المتاح، والتي تُمكنها من تدوين خياراتها التقنية وأسلوبها الشكلي، في رسم معالم شخوصها وأماكنها الموصوفة. تغرد على الدوام خارج سرب الآخرين، من حيث الشكل والمحتوى الفكري والتقنية، وتُبرز مقدرتها التقنية على سبك مكونات عجينتها اللونية وتعاملها مع سطوح اللوحات، وأسلوب إنجاز لوحاتها التشكيلية ومقولاتها الفنية السردية، بأقل كلفة وجهد واختصار للزمن، جامعة التداعيات الفنية من الواقعية التعبيرية والانطباعية الرمزية والعفوية إلى الفطرية والسذاجة وفضاء التجريد، وما بينها من تداخلات سرد بصري. تجمع في خصالها الفنية والشخصية سمات “الطبيعة الأم الرؤوم”، في مُكوناتها الحاضنة لجميع الأحبة من جميع الأشياء والشخوص والتقاسيم الوصفية والطبقات. لوحاتها مبنية على أساس التراكم الشكلي للملونات المرصوفة بعفوية السرد، في حسبة تقنية قائمة على جماليات الفوضى الشكلية المرصوفة فوق السطوح التي تُحدد مكوناتها المتداخلة وتدرجاتها اللونية، تبعًا لمصادر الموقف البصري المنشود، ولمحتوى العمل الفني التي تود إبرازه داخل مداراتها الشكلية. فالضوء وانكساراته وتواتره يتحدد وفق رؤيتها للأشياء، موصولة بعجينتها التقنية قبل أية مسارات تعبيرية ورمزية. فالرسم والتلوين غير موصول بخاصية اللون وتناثره في لوحاتها وحسب، بقدر ما يكون انعكاسًا طبيعيًا لما يجول في خاطرها وذاتها الباحثة من تداعيات ومقولات فنية، تنقلها بإحساسها الخاص، وتغدو محمولة بسمات العفوية والمساءلة والتقصي المثير، وفتح شهية التأويل والتفسير والقبول والرفض من قبل جمهور الفن والتلقي. تُدرجها في باقات لون ورؤى فنية تشكيلية تُدلل عليها كفنانة مرهفة الإحساس وشفافة، وتشي بحقيقة مزاجها وتفردها في ميدانها وتمايزها عمن عايشوها وجايلوها من أقرانها، كعازفة تشكيلية متنقلة ما بين حدائق الفن التشكيلي السوري والحداثة التشكيلية العالمية.

بطاقة الفنانة الشخصية

الفنانة عتاب حريب، من مواليد مدينة دير الزور السورية عام 1954. تابعت دراساتها الجامعية في جامعة دمشق، وتخرجت في قسم الحفر والطباعة اليدوية في كلية الفنون الجميلة عام 1978، ودبلوم التأهيل التربوي من كلية التربية عام 1979. عملت مدرسة للفنون، في معهدي دار المعلمين وإعداد المدرسين وكلية التربية، ما بين أعوام 1980-2012. حصلت على مجموعة من الجوائز وشهادات التقدير منها (الميدالية الذهبية بمهرجان المحروس في مدينة تونس عام 1993، وذهبية وزارة الثقافة الصينية عام 1993). أقامت نحو خمس وعشرين معرضًا فرديًا، وأكثر من أربعين مشاركة في معارض جماعية منذ العام 1986، داخل سورية وخارجها. أعمالها مقتناة في العديد من المتاحف وفي مجموعات خاصة.

 

[av_gallery ids=’102184,102185,102186,102183′ style=’thumbnails’ preview_size=’portfolio’ crop_big_preview_thumbnail=’avia-gallery-big-crop-thumb’ thumb_size=’portfolio’ columns=’5′ imagelink=’lightbox’ lazyload=’avia_lazyload’ custom_class=”]

مقالات ذات صلة

إغلاق