ترجمات

نيوز داي: مساعدة أميركا ليست جزءًا من خطة بوتين

لا يعتقد بوتين، ولا نظامه، أن مساعدة أميركا هي جزء من مصلحتهم الوطنية.

مع اقتراب نهاية رحلته الآسيوية التي استمرت 12 يومًا، قال الرئيس ترامب، في تغريدة على موقع (تويتر): “متى سيدرك جميع الحاقدين والحمقى أن إقامة علاقة جيدة مع روسيا هي أمرٌ جيد، لا سيئ. ولطالما كانت لسياسات روسيا عواقب سيئة على بلدنا. أرغب في حل قضية كوريا الشمالية وسورية وأوكرانيا وقضية الإرهاب، ويمكن لروسيا تقديم مساعدة كبيرة!”.

يعدّ ترامب محقًا في هذه النقطة؛ لأن روسيا قادرة -نظريًا- على تقديم (مساعدة كبيرة). لكنها لن تقدم مساعدة، أو على الأقل لن تكون المساعدة (كبيرة). لن تقدم المساعدة، لأن فلاديمير بوتين ونظامه لا يظنون أن مساعدة أميركا تصب في مصالحهم الوطنية. ويؤيد بوتين، المخضرم السابق في الاستخبارات الروسية، نظريةَ الكفاءة السياسية مع جذور عميقة، في كل من التاريخ الروسي والسوفيتي.

خلال الحرب العالمية الأولى، دعا فلاديمير لينين إلى “الروح الانهزامية الثورية”. وكانت فكرته أن الانتصار في الحرب لا جدوى له، بما أنه كان صراعًا بين الطبقات الرأسمالية المتنافسة. وأعرَب عن أمله في أن تقوم الجماهير -بعدئذ- بحربٍ أهلية تطيح بأسيادها. وقد استُمدت الفكرة بشكل جزئي من الاشتراكي الثوري في القرن التاسع عشر، نيكولاي تشيرنيشيفسكي، الذي صاغ عبارة “الأسوأ هو الأفضل”، والتي اقتبسها لينين كثيرًا.

كانت الاستراتيجية الأساسية هذه ناجعة بالنسبة إلى البلاشفة. وأصبح لينين الأب المؤسس للاتحاد السوفيتي، الذي هاجم واستعبد شعبه والشعوب المجاورة له طوال سبعين عامًا تلت. ولطالما كان الاتحاد السوفيتي دولة ضعيفة، على الرغم من قوته العسكرية. وتُعرّف أي دولة، تحكُم بالخوف، بأنها دولة ضعيفة. ولو كان بإمكان السوفييت غزو وهزيمة أوروبا الغربية وأميركا، كما فعلوا في أوروبا الشرقية والقوقاز ووسط آسيا؛ لفعلوا ذلك. فهذا ما طالبت به الماركسية اللينينية، في نهاية المطاف.

لكنهم لم يستطيعوا القيام بذلك؛ لذلك تكيفوا مع الأمر الواقع، وقبل أن يتمكنوا من تصدير الثورة، كما أراد ليون تروتسكي، كان عليهم أولًا أن يصدروا فكرة الروح الانهزامية الثورية. وعلى مدى نصف قرن من الزمان، فعل السوفييت ما بوسعهم للتقليل من شأن الغرب، عن طريق زرع الفتنة والنزاع. وكانت الفكرة -كما وضعها المنظرون الماركسيون منذ زمن طويل- هي “تسليط الضوء على التناقضات” في الرأسمالية، لإجبارها على الانهيار.

وطوروا مجموعة واسعة من الأساليب في سبيل ذلك الهدف؛ إذ قام مروجوهم بتغذية نظريات المؤامرة للصحفيين والمثقفين السذّج في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي. وفي ستينيات القرن العشرين، حاول السوفييت تشويه سمعة مارتن لوثر كينج الابن؛ لأن رسالته عن التسامح ورفض العنف لم تكن ملائمة مع قضيتهم. وأرادت وكالة الاستخبارات الروسية (الكي جي بي) أن يصبح المتطرف العنيف ستوكلي كارمايكل، قائدًا للأميركيين السود. ووزعت منشورات في مجتمعات السود تدعي أن الجماعات اليمينية “طورت خطة لاغتيال الشخصيات البارزة، في حركة الزنوج داخل الولايات المتحدة”، كما روى مؤخرًا داريان كافانو، من موقع (الحرب مملة). وفي ثمانينيات القرن العشرين، نشر السوفييت أكاذيب تفيد بأن أميركا تخترع الإيدز لقتل السود.

هذا هو العالم الذي نشأ فيه بوتين، وكان ضابطًا في الاستخبارات الخارجية على مدى 16 عامًا، وقد وصف تفكك الاتحاد السوفيتي بأنه إحدى أكبر مآسي القرن العشرين، لكنه غير ماركسي. وفي الواقع، يُعتقد بأنه قد يكون أغنى رجل في العالم، لكنه من صُنع وكالة الاستخبارات الروسية.

لننسَ أميركا بضعة ثوان. لقد كان جيش بوتين في وسائل الإعلام الاجتماعية يسيء إلى أوروبا الغربية لسنوات؛ إذ إنه يدعم الجماعات المتطرفة المهمشة، أو ينشئ ممثلين مزيفين عنها، من حزبي اليسار واليمين. وقد استغلوا (ويكيليكس)، والحمقى المفيدين ممن يحبونها، للتقليل من شأن الحكومات الغربية باسم الديمقراطية والشفافية.

لا يُعدّ الهدف في المقام الأول تعيين رجل سياسي بعينه في السلطة، ولكن زرع الفوضى والشك، لإظهار التناقضات، ولإضعاف البلدان القوية والتحالفات التي يظن بوتين أنها تقوض قوة روسيا. وساعد الروس في مسعى خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، ليس بسبب أن الخروج كان جيدًا بالنسبة إلى بريطانيا (والذي أعتقد أنه قد يكون كذلك)، بل لأنه كان أمرًا سيئًا على الاتحاد الأوروبي.

يريد البعض أن يعتقد أن بوتين رأى ترامب حليفًا مفيدًا، وأن ترامب تطوع للخدمة. ومجددًا: هذا ممكن، لكني أظن أن الإجابة أكثر صراحة ووضوحًا. فالروس لا يريدون إلا إثارة المتاعب وإيذاء الفائز المفترض: هيلاري كلينتون. ولهذا شجع موقع (ويكيليكس) دونالد ترامب الابن على الادعاء بأنه تم التلاعب بالانتخابات، ولكن بعدئذ فاز ترامب الأب.

يعتقد ترامب أن على كل بلدٍ أن يتبع مصالحه الذاتية الضيقة. وهذا موقف يمكن الدفاع عنه؛ لكن المشكلة الوحيدة هي أن تعريف روسيا -أو على الأقل بوتين- للمصلحة الذاتية، هو خوض حرب مع الآخرين.

 

اسم المقالة الأصلي Helping America isn’t part of Putin’s plan
الكاتب , Jonah Goldbergجونا غولدبيرغ
مكان النشر وتاريخه News Day

17/ تشرين الثاني نوفمبر 2017

رابط المقالة https://www.newsday.com/opinion/commentary/putin-not-helping-american-1.15014011
ترجمة مروان زكريا

 

مقالات ذات صلة

إغلاق