قضايا المجتمع

المؤسسات الاجتماعية في الثورة السورية مُتمّم نضالي

إمكانات متواضعة وجهود جبارة تلك التي تُلخّص عمَل مؤسسات المجتمع المدني، في مناطق خضعت للحصار والدمار في سورية، منذ اندلاع الثورة السورية، حيث تمتّنت المؤسسات الاجتماعية التي شُكلت في واقع الأمر المفروض عليها، وتبلورت وتعمقت. وتطورت قناعات تُلحّ بضرورة تنويع وتطوير العمل الاجتماعي، كجزء من الثورة، وما يرافق ذلك من جهد لاكتشاف مزيدٍ من مجالات العمل، أو التمهيد لعملٍ مثمرٍ في مجالات تعثر العمل ضمنها.

إن النظرة التكاملية التي تهدف إلى تحديد مسار تطوّر العمل الاجتماعي ومأسسته تفرض معالجة الصعوبات التي تواجهها، وهي لا تقل عن العدوان الذي يستهدف شلّها وإضعافها وتشويهها، والطعن بشفافيتها، وببعض فئاتها التي دفعت أرواحها في سبيل العمل المدني والإغاثي، أي أنها كانت منذ البداية هدفًا للنظام الذي كان -وما زال- يعتقل ويقصف ويُعدم من ينتمي إلى تلك المؤسسات التي تعتني بتحسين الوضع الاجتماعي والنفسي، ورعاية الفرد والأسرة، بإمكانات شحيحة.

متابعة سير العمل الاجتماعي، في المناطق التي شملها الحصار والجوع والدمار والموت، تفرض القيام برعاية هذه المؤسسات والانسجام معها، عبر استكشاف واجبات قوى الثورة والمعارضة السورية، تجاه العمل المدني كجزء من العملية التعبوية، وتوضيح مدى علاقة هذه المؤسسات بوعي اجتماعي مُحدّد، ظهر في أثناء الثورة، وإذا أخذنا مؤسسة (الخوذ البيضاء) كحالة، ونموذج يُعبّر عن إرادة العمل الاجتماعي، وإبراز نماذج أخرى في ميدان الصحة والتعليم والنجدة الإغاثية؛ فسنرى أنها استطاعت الاقتراب كثيرًا من المستوى الوطني، وحصلت على الـتأييد والتكريم، لكن إخضاع عمل بعض المؤسسات للتنافس الفئوي يعود بمردود سلبي، في بعض القطاعات التي تسيطر عليها قوى دينية متطرفة.

عمدت عدة مؤسسات اجتماعية إلى الاعتماد على موارد ذاتية، وبعضها اعتمد على مورد خارجي، ولكن معظمها لا يؤسس لتحمل المسؤولية المتعاظمة مستقبلًا، ولا يمول الاحتياجات الراهنة، في ظل تصاعد وشمول الدمار. وهنا، يتجاذب عاملان مهمان، يؤثران في آليات عمل مؤسسات المجتمع المدني للثورة السورية: الاحتياجات الاجتماعية، والرغبة في عمل اجتماعي، إغاثي وتعليمي وطبي وثقافي وبحثي؛ فتتضخم أعباء متعددة مرتبطة بشمولية الضرر الذي أصاب كل القطاعات الاجتماعية، من جرّاء تصاعد واستمرار فاشية النظام السوري.

كما أن نشوء أزمة ملايين النازحين والمتضررين، في سورية، يوضح نمط تجفيف ومحاربة عمل المؤسسات، لخلق واقع أكثر فداحة، حتى يبدو المجتمع مشلولًا وفقيرًا بكل أدواته، من دون النظام الحالي؛ لذلك كانت الهجمة شرسة ووحشية ضد أفراد العمل الاجتماعي والإنساني وضد المؤسسات التي وصَف بعضَها نظامُ الأسد بـ “الإرهاب”، مع أن عملها ونشوءها وظروفها هي بسبب الإرهاب الممارس على عموم الشعب السوري، فعندما يلجأ النظام إلى ضرب وتدمير ما ينسب إلى الهوية الاجتماعية والإنسانية للسوريين، من خلال استهداف زراعتهم ومواشيهم ومنشآتهم التعليمية والطبية، ويفرض حصارًا حتى الموت على السكان المدنيين؛ فهو يؤكد هنا أي عداء يكنه للمجتمع ككل.

البديل هنا مرعبٌ، من وجهة نظر النظام الذي يرى عموم الرعاية الاجتماعية قسمًا أساسيًا في صمود السوريين، وهي فعلًا كذلك، إذ أُوجدت ظروف طبيعية ساعدت في استثمار الأراضي الزراعية، أو بعض المنشآت التي تحولت إلى مقار تعليمية وطبية، تميزت بتمكين بعض سكان المناطق المحاصرة والمّدمّرة من الصمود في أرضهم، ومواجهة شتى حملات إفقارهم وإضعاف عزيمتهم، لأن هجمة النظام وعدوانه كانت تستهدف بالأساس كلّ ما يتصل بالمجتمع السوري الذي يحاول أن يعبّر عن بدائله، خارج عباءة الطغيان.

تميز العمل الاجتماعي، في ظل الثورة السورية، بكونه عملًا تطوعيًا، يعتمد على المبادرات الفردية، لكنه لم يُقبل -حتى اليوم- كنشاط رديف للعمل السياسي، وهذا ما يجب العمل وفقه والتخطيط من أجله؛ لإيجاد مناخ تربوي وإغاثي وتعليمي وصحي ونفسي، لمواجهة تراكم الأعباء المتزايدة التي تُثقل كاهل المجتمع السوري، والنتائج التي ترتبت من جراء تمزقات وشروخ المجتمع، نتيجة عدوان وإرهاب النظام، كل ذلك تقع مسؤوليته على عاتق القوى السياسية المعارضة، بما يوفّر الالتصاق أكثر بالمؤسسات الاجتماعية العاملة على الأرض، ولغرس فكرة العمل المؤسساتي الاجتماعي، وتحسين ظروفها وأوضاعها، كمُتمم نضالي ووطني.

Author

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق