قضايا المجتمع

تحصين المجتمع المحلي في محافظة السويداء

 

يتسم المجتمع المحلي في محافظة السويداء ببنية اجتماعية مركبة، اختلطت فيها العلاقات الأهلية بالمدنية؛ فالعائلات والعشائر والهيئات الروحية والدينية ما تزال تحظى باحترام أفراد المجتمع، مع حرصهم القوي على الانتماء إليها وحل منازعاتهم عن طريقها، مع النظر بعين الريبة والحذر إلى مكونات المجتمع المدني. هذه البنية المشوهة تعمل، في أحيان كثيرة، على طغيان العلاقات التقليدية على علاقة الفرد بالمجتمع؛ فتنمي لديه نزعة عدائية، تجاه العلاقات المدنية التي تتنامى ببطء شديد في المجتمع، في ظل تراجع دور الدولة عن القيام بمهماتها الرئيسة التي يُفترض أن تشكل قاطرة انتقال المجتمع، من حالته التقليدية نحو حالة مدنية حديثة، في ظل غياب أي دور فعلي لمؤسسات المجتمع المدني، من أحزاب وتشكيلات ونقابات وجمعيات ونواد وإعلام.

يقدّم الفرد انتماءَه إلى العائلة والعشيرة والمرجعيات الدينية على أي انتماء آخر إلى مكونات المجتمع المدني أو حتى إلى الدولة الوطنية؛ عندما يفقد الشعور بالحماية والضمانة وسيادة القانون؛ فتصبح الدولة عندئذً مجرد غطاء يخبأ الفرد تحته انتماءاته القَبلية التي تطغى على أي انتماء آخر في جوهره مدني الطابع، وبالتالي يقع فريسة الافتراق الكبير، بين منظومة القيم الأخلاقية والاجتماعية التقليدية، وبين تطبيقها العملي في الحياة الاجتماعية والاقتصادية.

إن قِيمًا مثل الصدق والأمانة والتسامح وإغاثة الملهوف وحسن الجوار والإخلاص في العمل وتقبل الآخر واحترام رأيه والألفة الاجتماعية والتعاون والتعاضد وتقديم مصلحة الجماعة على مصلحة الفرد والمصلحة الوطنية على المصلحة الفئوية، واحترام المرأة ورعاية الطفل والأخذ بيد الشباب… خرجت كلها من رحم مضافات الجبل التي مثلت بيت العائلة الجمعي الذي تنهض أساساته الأربعة على: العائلة – الفرد – الشيخ – المجتمع.

لكن هذه المنظومة التقليدية كانت صالحة، في مجتمع ما قبل الدولة، المجتمع الصغير المنغلق نسبيًا، وسرعان ما صارت عاجزة عن الوفاء باحتياجات المجتمع الأخلاقية، بسبب تقوقع المؤسسة الاجتماعية التقليدية، وانكفائها في مرحلة ظهور الدولة الوطنية وبناء مؤسساتها المدنية، وهي التي تركت، بسبب تخلفها عن بناء مجتمع مدني حديث، فراغًا جيواجتماعيًا مهّد لحالة الافتراق تلك، دون تفعيل منظومة علاقات اجتماعية قيمية بديلة أو مأسسة المنظومة التقليدية وعصرنتها. ومما لا شك فيه أن بعض العلاقات المدنية قد تسللت إلى أجواء العائلة التقليدية ومنظومتها القيمية، من خلال بعض النخب الثقافية والمهنية، لكنها لم تتمكن من إحداث أي تغيير جوهري، أو سد الفراغ الجيواجتماعي، في نمط العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والإنسانية عمومًا؛ لأن مساحة الفعل والتأثير اصطدمت، في معظم الأحيان والأحوال، بقوتين نافرتين: قوة العلاقات التقليدية ورسوخها في المجتمع المحلي، وعزوف الدولة عن لعب أي دور بناء، تجاه خلق الظروف المواتية لمواطنة حقيقية تقدم انتماء الفرد إلى الوطن وسلطة القانون عن أي انتماء قَبلي آخر، وبالتالي؛ بقي المجتمع المحلي في محافظة السويداء –كما في جميع المحافظات السورية– أسيرَ منظومة العلاقات الاجتماعية التقليدية التي تسمح، في ظل حالة الفوضى النسبية التي تعم البلاد، بتفلت الفرد من منظومتها، ولجوئه إلى خيارات خارجة عن قيمها الأخلاقية من جهة، وعن سلطة القانون التي اختارت بعض مؤسسات الدولة التنحي عن دوره في المحافظة على هيبتها؛ ما ساهم إلى حد بعيد في انتشار الجريمة الاجتماعية، من خطف الأشخاص والمساومة على أرواحهم مقابل فدى مالية، والقتل العمد، والقتل غير المقصود من خلال إطلاق النار العشوائي في المناسبات، والنصب والاحتيال، والتزوير وشهادة الزور، والتحرش الجنسي، والاعتداء الجسدي، والسرقة، وترويج المخدرات وتعاطيها، واستباحة الآثار والمعالم التاريخية.

إضافة إلى الجريمة الاقتصادية من فساد إداري ورشوة وابتزاز، ومتاجرة بقوت الناس واحتياجاتهم الأساسية، واحتكار، وتعدٍّ على الممتلكات الخاصة والعامة.. هذه الجرائم شكلت في معظمها حالة غريبة عن تقاليد المجتمع المحلي، لا يمكن التصدي لها إلا من خلال:

أولًا – قيام مؤسسات الدولة بالمحافظة على هيبة القانون وسلطته، والعمل على اجتثاث أسباب الجريمة وتقديم مرتكبيها للقضاء، وضبط السلاح، ومنع المظاهر المسلحة غير المبررة، في الحي والشارع والمؤسسة العامة والخاصة.

ثانيًا – تفعيل دور مؤسسات المجتمع المدني، وتسهيل عمل الهيئات والتشكيلات المدنية الجديدة والقديمة، لأداء دور فعال في تمتين الوحدة الوطنية والاجتماعية.

ثالثًا – مساهمة المجتمع المحلي، من عائلات وعشائر وهيئات دينية، في عملية كبح تفلت أفرادها من منظومتها القيمية.

وفي سبيل ذلك، قد يكون من المفيد والناجع، في ظل الأخطار الاجتماعية المحدقة بالمجتمع المحلي، تكوين مجالس محلية في المدن والقرى والمناطق، تتمثل فيها العائلات والعشائر والهيئات الدينية وتشكيلات المجتمع المدني، وتعمل بالتعاون مع مؤسسات الدولة المختلفة، للجم الأفراد والجماعات المنفلتة من سلطة القانون والمجتمع، وتسليمها للسلطات القانونية المختصة، وتكوين رأي عام في محافظة السويداء، يواجه جميع مظاهر الجريمة الفردية والمنظمة، ونبذ مرتكبيها اجتماعيًا وعائليًا وعشائريًا ودينيًا.

 

مقالات ذات صلة

إغلاق