تحقيقات وتقارير سياسية

الاختفاء القسري في سورية: جريمة ضدّ الإنسانية لكلّ من الضحايا وأسرهم

 

في حين يركّز العالم على “الحرب ضدّ الإرهاب”، يجري تناسي الفظائع التي يرتكبها نظام الأسد، والجماعات المسلحة في سورية. ووفقًا “للشبكة السورية لحقوق الإنسان (SNHR)”، فقد اختفى 000 85 شخص، منذ اندلاع النزاع عام 2011. ويتحمّل النظام مسؤولية “9 من بين كل 10 حالات اختفاء، إذ إن له تاريخًا طويلًا في إخفاء أولئك الذين ينشطون ضدّ حكمه. ووفقًا لمنظمة (هيومن رايتس ووتش)، فإنّ حالات الاختفاء هذه، غالبًا ما ترتبط بانتهاكات أخرى للحقوق الأساسية، مثل التعذيب والمعاملة اللاإنسانية وغياب المحاكمة العادلة والإعدام، فضلًا عن غياب المعلومات المتعلقة بالضحية.

أثبتت الشبكة السورية لحقوق الإنسان مسؤولية نظام الأسد عن اختطاف 766 65 شخصًا، بما في ذلك 4210 نساء، و1116 طفلًا، مع 200،000 محتجز حاليًا. وتستهدف القوات الحكومية أفرادَ أسر المنشقين والناشطين والعاملين في المجال الإنساني وأعضاء المعارضة والموظفين الطبيين، الذين يقدمون المساعدة إلى جماعات المعارضة. وعلاوةً على ذلك، اختطف تنظيم “داعش” ما يقارب 698 4 فردًا من بينهم 182 امرأة و204 أطفال. وثبت أنّ “جبهة فتح الشام” وجماعات المعارضة وقوات كردية مسؤولة أيضًا عن عدة حالات اختفاء القسري.

وفقًا لمنظمة العفو الدولية، فإنّ حالات الاختفاء القسري في سورية واسعة الانتشار ومنهجية. وبحسب لجنة الأمم المتحدة لتقصي الحقائق في سورية، فإنّ هذه الممارسات ضدّ المدنيين تشكّل جرائم ضدّ الإنسانية. وكذلك تعدّ المحكمةُ الجنائية الدولية “الاختفاءَ القسري” بمثابة جرائم ضدّ الإنسانية.

الواقع أنّ هذه الممارسات اللاإنسانية غير قانونية، حتى في أثناء الحرب. وتعرّف “المحكمة الجنائية الدولية” (ICC) حالات الاختفاء القسري، بأنّها “إلقاء القبض على أي دولة أو منظمة سياسية، أو احتجازها أو اختطافها من قبل دولة أو منظمة سياسية، أو بتأييدها أو قبولها، يليها رفض الاعتراف بأنّ الحرمان من الحرية أو تقديم المعلومات بشأن مصير هؤلاء الأشخاص أو أماكن وجودهم، بقصد إبعادهم عن حماية القانون”. وما يزال واضحًا أنّ الاختفاء القسري ينتهك دائمًا حقوقًا أساسية أخرى. إنّ الاختفاء القسري والحرمان من الحرية وضمانات المحاكمة العادلة وحظر القتل منصوصٌ عليه في القانون الإنساني الدولي، وبالتالي يجب احترامه، في جميع الأوقات، في الصراعات الوطنية والدولية.

دان مجلس الأمن بالقرار 2139 بشدّة حالات الاختفاء القسري في سورية، وطالب بالإفراج عن السوريين المحتجزين بشكل غير قانوني. بيد أنّه منذ اتخاذ القرار في شباط/ فبراير 2014، لم يُتَّخذ أيُّ إجراء لإعادة الضحايا إلى أسرهم أو تقديم إثبات على حياتهم. ووفقًا لإدارة (هيومن رايتس ووتش) في الشرق الأوسط، فإنّ قضية الاختفاء أمرٌ بالغ الأهمية في المفاوضات السياسية وتحقيق العدالة، ولا سيّما بالنسبة إلى الضحايا وأسرهم.

كما أنّ لهذه الجرائم أثرًا ضارًا على أُسر المختفين، إذ تسبب لهم معاناةً نفسيةً شديدة؛ لأنّ مصير أقاربهم غير مؤكد. في الآونة الأخيرة، أطلقت نساء سوريات في المملكة المتحدة حملة، بعنوان (أُسر الحرية)، وهي حملة تهدف إلى رفع مستوى الوعي حول أقاربهن المفقودين أو المحتجزين غير القانونيين في سورية. تنقل هذه النسوة الشجاعات معاناتهن الشخصية، من جراء الاختفاء القسري الذي عشنه. تحكي “نورا” قصة زوجها “باسل خرطبيل الصفدي”، وهو مبرمج كمبيوتر وناشط سلمي، عام 2012 اختطفته قوات النظام. وفي عام 2015، توقفت زوجته وعائلته عن تلقي أخبار منه. انتشرت الشائعات بأنّه أُعدم، ولكن لا تصريح رسميًا بذلك، وبعد عامين تأكّدت أسوأ مخاوفهم، يومَ أخطرَ النظام السوري رسميًا “نورا”، بإعدام زوجها في عام 2015. “نورا” هي واحدة من بين آلاف السوريين الذين يعانون هذ الألم الرهيب. ويُعدُّ أسر وأصدقاء المختفين الدليلَ الحاسم بالنسبة إلى أيّ تقييم قانوني، لأنهم غالبًا ما يكونون الدليل الوحيد على اختطاف الأفراد بصورة غير مشروعة.

كما هو موضّح هنا، فإنّ الاختفاء القسري في سورية جريمةٌ ضدّ الإنسانية، لكلٍّ من الضحايا وأسرهم. ويجب على جميع أطراف الصراع أن يتوقفوا فورًا عن فعل هذه الممارسات، وإطلاق سراح الأشخاص المحتجزين بصورة غير عادلة أو بلا محاكمة. وعلى الرغم من وقوع هذه الممارسات عند جميع الأطراف، فإنّ المسؤولية، في المقام الأول، تقع على عاتق النظام السوري والدول التي تدعمه؛ مثل إيران وروسيا. ويجب على هذه الدول أن تحثّ النظام على الامتناع عن استخدام الاختفاء، كوسيلة من وسائل الحرب والإرهاب؛ وضمان معالجة هذه المسائل خلال أيّ مفاوضات سلام مقبلة. وبوصف موسكو عضوًا دائمًا في مجلس الأمن، فهي تتحمل مسؤولية دعم السلم والأمن الدوليين، وبالتالي، لا يُمكن أن تستمر في دعم نظام متّهم، ثبت أنّه يقوم بهذه الجرائم ضدّ الإنسانية. وعلاوةً على ذلك، وبناء على طلب منظمة (هيومن رايتس ووتش) في أغسطس/ آب 2017، يجب إنشاء مؤسسة مستقلة للتحقيق في مصير الضحايا المفقودة والمجهولة في المقابر الجماعية، في كلّ أنحاء سورية. وهذا أمرٌ ضروري لإنقاذ آلاف السوريين المعتقلين من الاستمرار في تعذيبهم من قِبل جميع أطراف النزاع، أو الذين يعانون من غياب أحبائهم. وستكون هذه المؤسسة المستقلة ذات أهمية حاسمة في توفير العدالة لآلاف السوريين، وستشكل لبنة أساسية في سلام دائم ومستدام في سورية.

 

اسم المقالة الأصلي Forcible disappearances in Syria: a crime against humanity for both victims and their families
الكاتب إيما كابرول / Emma Cabrol
المصدر مركز حرمون للدراسات المعاصرة، برنامج الباحثين الزائرين الدوليين
ترجمة وحدة الترجمة والتعريب

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق