ترجمات

الغارديان: “ماعز لكل شهيد”: المسرحية الساخرة عن التكلفة السريالية للحرب الأهلية في سورية

 

ثمة قرى يُعطى فيها لعائلات الجنود القتلى ماعزًا كتعويض. هذا الأمرُ صعق لواء يازجي، كنقطة انطلاقٍ مثالية لمسرحية -بحيواناتٍ حية- عن أهوال ومخاطر الحياة في ظل الحرب

إيزابيلا نيفار وسعاد فارس مع ماعز من الطاقم خلال البروفات. تصوير: يوهان بيرسون

عندما تحولت احتجاجاتُ عام 2011 في سورية إلى ثورةٍ مسلحة، وانزلقت البلاد نحو حربٍ أهلية؛ بدأت الشاعرة والكاتبة المسرحية لواء يازجي، بملء دفاترها بالتفاصيل الغريبة، والمؤلمة لما أصبحت عليه الحياة اليومية في وطنها.

كانت يازجي مذهولةً من عبثية الحرب المأسوية، والتنازلات القاسية التي تُطلب من أولئك الذين يريدون البقاء على قيد الحياة، والآثار المتشابكة للعنف، قبل وقت طويل من أنْ تصبح معيدةً في دمشق. بعد سنواتٍ، أدركتْ أنَّ القصص التي جمعتها من تقارير إخبارية، والمحادثات التي أجرتها مع الأصدقاء حول الأسئلة نفسها: “كيف نقبل/ نوافق، ولماذا” هي مثل الأعمال التي أحبتها للكتّاب: إدوارد بوند، والهنغاري ستيفان أوركيني.

بدأت يازجي في تشكيل آخر مسرحيةٍ لها (الماعز)، وهي تُعرض الآن في القاعة الملكية في لندن. وفي ذلك تقول: “لقد بدأت بتجميع تفاصيل محلية جدًا، ثم أدركتُ فجأةً أنَّ ما كنتُ أتابعه هو كيف نقوم بتطبيع الأحداث السريالية للحرب؛ ثم كان هذا الدافع”.

 

الكاتبة والمخرجة لواء يازجي. صورة سارة لي للغارديان.

بمرارةٍ وسخريةٍ قاتمتين، يعدُّ الماعز في قريةٍ سورية صغيرة تعويضًا عن مقتل الأشخاص، حيث يتم تسليم الحيوانات من قبل السلطات إلى العائلات التي تفقد آباءً وأبناءً وأزواجًا، في الحرب الأهلية التي لا نهاية لها. مُثلت المسرحية بماعزٍ حقيقي، والأكثر جموحًا من شخصية رئيسةٍ إلى مباشرة، وتزييفها بقدر من اللهو والنواح للجمهور، كما هو الحال مع أهل قراهم.

جميع الأحداث الكبرى والصادمة مستمدةٌ من التفاصيل التي جمعتها يازجي، على مدى سنواتٍ، من الحرب والمنفى. من التعويض الغرائبي بماعزٍ مقابل الرجال القتلى، وصولًا إلى لويٍّ وحشي يقود الوطن نحو الحقيقة القديمة حول الحرب: إنَّ العنف الذي تمارسه على الأعداء سيعود ليطاردك. كلّ لحظةٍ هزلية ومؤلمة، تعيشها أي عائلة سورية في أي مكان، توظفها يازجي بخيالها لترسيخ الأحداث التي تتكشف في شخصياتٍ وعائلاتٍ خيالية.

إنَّ تطبيع السريالية المرفوض اقترب نحو حياة يازجي الخاصة أيضًا. وهي تتذكر أصدقاء يخبرونها أنهم عبّروا عن الصراع في تمثيلهم لمسرحية، لذلك يمكن أنْ تستمر مثلما تنتشر المعارك في الخارج.

ولدَت يازجي في موسكو، حيث كان والداها السوريان يدرسان، ونشأت في حلب ودمشق، ودرست الأدب والمسرح الإنكليزيين، وقد نشرت الشعر إضافة إلى المسرحيات، وقدمت أفلامًا وثائقية، وتعمل على مسلسل إثارة للتلفزيون الألماني. تستكشف العديد من هذه الأعمال حياة كلٍّ من اللاجئين، والسوريين مثلها، الذين يعيشون في منفى غير متوقع: غادرت يازجي دمشق، لمتابعة مشاريع فنية في ألمانيا، ولم تعدْ متأكدةً من أنَّها تستطيع العودة.

نُشر ديوانها الشعري (في سلام، غادرنا الوطن) عام 2014، في العام نفسه أنهت ترجمة بوند للعربية، وأخرجت (بيت الأشباح)، وهو فيلمٌ وثائقي عن علاقات الناس بمنازلهم، خلال الحرب، حيث تتبع سبب بقاء الناس أو مغادرتهم، وما يحاولون إنقاذه عندما يهربون، وما يعنيه المنزل، عندما يتم تدمير المدينة أو الحي.

في المقابل، الناس الذين تتكشف حياتهم حول ماعزٍ في مسرحيتها، يعيشون بعيدًا عن خط المواجهة، في مناطقَ لم تفلت من سيطرة حكومة الرئيس بشار الأسد. فالقمع الذي يساعد على إبقاء الحكومة في السلطة يجعل من الصعب على الغرباء زيارة تلك المناطق، ومن الخطورة على سكانها أنْ يعبّروا علنًا عن آرائهم.

في كثيرٍ من النواحي، يكسب هذا الأمر المسرحيةَ قوةً وأهمية أكثر، لأن السوريين الذين يعيشون تحت الحكومة، والذين يقاتلون من أجلها، ليسوا مؤيدين موحدين أكثر من المواطنين في أيّ ديكتاتورية. تقول يازجي، ولديها أصدقاء وأقارب يعيشون في تلك المناطق: “بعد ست سنواتٍ من القتال، أعتقدُ أنَّه كلما عرف الناس أكثر؛ فهموا أنّ هناك طريقة للعيش في هذا البلد، وعلينا أنْ نتشبثَ به”. وأضافت: “لا أقصدُ أنَّ علينا أن نكون متعاونين، بالطبع لا. أقف ضدَّ كلَّ من يقول إنَّ أيَّ شخصٍ داخل سورية هو كذلك. وما عليك إلا أنْ تفهم الشيفرة”.

تستكشف (الماعز) خيار القرويين المؤلم، بين قبول الرواية الرسمية لكيفية سريان الحرب، أو تحديها بكلفةٍ شخصية ضخمة. “هل سبق لأحدٍ أن قال الحقيقة؟”، يسأل الشرير المقنّع في المسرحية (أبو الطيب)، رئيسَ الحزب المحلي، وأقوى رجلٍ في القرية. “هل طلب أي شخص ذلك؟ هل يريد أحدٌ ذلك؟ لا أحدَ بحاجةٍ إلى ذلك!”.

الكثيرُ من الدعاية التي تُقدَّم من خلال الماعز (احتفالاتٌ تُجرى لكاميرات المراقبة للقناة التلفزيونية الوطنية، واجتماعات الحزب الرسمية) تبدو سخيفةً تقريبًا، مشهدٌ من تفانٍ فارغ بشكلٍ واضح، أو سعادة. ولكن بالنسبة إلى يازجي، التي تربّتْ ضمن نظام الرقابة والسيطرة، فإنَّ هذا الكذب ليس عيبًا في التكوين، بل هو جانبٌ رئيس من جوانب الدعاية التي لا تلوي الواقع فحسب، بل تكسر أيضًا مقاومته. وتقول: “عندما تجعلك الديكتاتورية تقبل التفاهات، فهذا علامةٌ على السلطة. لذلك لا يقتصر الأمر على إهاناتك فحسب، بل يتعلق بحكمك، بجعلك تكرر الأشياء الغبية”.

إحدى شخصيات المسرحية تجعل الأمر أكثرَ صراحةً. يقول مراهقٌ يدعى (جود): “إذا استمرينا في تعلم الأشياء التي هي بالعكس تمامًا، من آخر شيءٍ تعلمناه”؛ فكيف لنا أنْ نعرفَ من هو الصحيح؟ “يسأل جود معلمه، وهو والدٌ مفجوع، حيث غيَّر مواقفه خلال سنواتٍ من الوطنية، ويقول: لا تستحق الحرب الموت من أجلها.

لا تقدّم يازجي إجاباتٍ سهلة، وأقلَّها لنفسها. حتى إنّها تشكُّ برعبها الخاص عند تسليم “الماعز”. للوهلة الأولى يبدو أنَّها تقلّل من حياة الموتى، ولكن قد تكون الماعز شريان الحياة للعائلات التي فقدت معيلها، أو تعزيةً مفيدة لأولئك الذي يخشون أنْ تضحيتهم سوف تُنسى. وتقول: “من أنا لأقرر أهذا صحيح أم خاطئ؟، و”ما الخلفية التي أتيتُ منها؟ أنا شخصٌ يجلس على أريكةٍ في منزلٍ لم يتم تدميره، لأقول إنَّ الناس لا ينبغي أنْ تأخذ هذا الماعز. من أنا لأقدّم أخلاقيات السلام وأطبقها على الناس الذين يعيشون في ظل الحرب؟”.

بالنسبة إلى القرويين الذين ليس لمعانتهم نهاية واضحة، يقدم زعيم الحزب، أبو الطيب حجةً لتسويةٍ نفعية مع الحكومة، واصفًا المقاومة في مرحلةٍ ما، بأنَّها جنونٌ معدي: “إنَّ الحرب تبتلع كلَّ ما يعترضها. كلَّ ما يمكننا القيام به الآن هو معرفة أيّ منا يرتب من أجل البقاء على قيد الحياة. ما في الداخل لا يهم”.

تقول يازجي: “لا أريد -في أيّ حالٍ من الأحوال- تبرير الشر، ولكن أريد أنْ أخلق شخصيةً وأعطيه المقدرات لتبرير نفسه. أنا لن أقوم بخلق ديكتاتوريةٍ ضمن عملي، حيث لا تُعطى الشخصية السيئة الحق في الكلام”.

الماعز هي أيضًا هجوم على القوالب النمطية التي غالبًا ما تقلل من السوريين إلى أصفار، مقاتلي (داعش)، أو أكثر اللاجئين ضعفًا في البحر. هذه الصورُ مغريةٌ -تقول يازجي- حتى الصور التي تهدف إلى إثارة الشفقة. “لا يمكنك أنْ تتخيل نفسك في قاربٍ وسط البحر، بغض النظر عما يحدث الآن لحياتك”، كما تقول، لجمهورها خارج سورية. ولكن دراما عائلاتٍ تتصارع مع الموت، والخسارة مألوفةٌ في أيّ مكان. وأضافت: “يمكننا أنْ نعيد تموضعنا في هذا المكان، لأنَّ ذلك قد يحدث لنا. حتى لو كان ابني يقاتل في مكانٍ آخر، هذه القصة يمكن أنْ تبقى هي نفسها.

“سورية ليست الحرب الأولى، ولن تكون الأخيرة. لذلك لا أنظر دائمًا إلى مسألة الحرب، كشيءٍ قادم من كوكب مختلف”.

أما بالنسبة إلى المستقبل القريب للبلاد، فهي تشعر بالكأبة. وتقول: “إنه آذى فقط. أنا لستُ متفائلةً جدًا”. وتقتبس سطرًا من مسرحيتها، عندما تسأل عن اعتقادها بإمكانية حل الصراع: “إذا تم الكشف عن هذا الكذبة؛ فهو فقط لتغطية كذبةٍ أخرى”.

 

اسم المقالة الأصلي A goat for every martyr: the bitterly funny play about the surreal cost of Syria’s civil war
الكاتب إيما غراهام هاريسون، Emma Graham Harrison
مكان النشر وتاريخه الغارديان، The guardian، 28/11
رابط المقالة https://www.theguardian.com/stage/2017/nov/28/goats-martyr-surreal-cost-syria-civil-war-liwaa-yazji-royal-court
عدد الكلمات 1122
ترجمة أحمد عيشة

 

مقالات ذات صلة

إغلاق