هموم ثقافية

سيزيف العربي والديمقراطية العربية من منظور جورج طرابيشي

قد لا يمر يوم دون ظهور مقال يدق ناقوس اللجوء إلى الديمقراطية، وقد لا يخلو نقاش في وسائل الإعلام دون ذكر لفظ “الديمقراطية”، وأهميتها في البلدان العربية، وقد يخلو أي حل أو طرح سياسي في العالم العربي دون الالتفاف وراء الديمقراطية؛ فأصبحت الديمقراطية كقميص عثمان، ترفع في أي محفل، فليس من مفهوم يرتبط تحديده بتاريخه كالديمقراطية، ويكاد يكون المفهوم الوحيد الذي تناولته الدراسات النقدية والتحليلات السياسية بالنقد والتمحيص بذلك الكم.

باعتبار الديمقراطية النظام السياسي الأرقى والأكثر عقلنة، بين سائر الأنظمة السياسية التي اخترعتها البشرية في مسارها التاريخي الطويل؛ مثلت شماعة نعلق عليها آمالنا وأحلامنا باعتبارها تمثل آلية تفكيكية للنقد والحكم، وتضطلع الديمقراطية في الأيديولوجيا العربية السائدة اليوم، بالوظيفة نفسها التي اضطلعت بها في طور فائت، فكرة الاشتراكية، وفكرة الثورة، ومن قبلهما، فكرة الوحدة. فالطرح الأيديولوجي للديمقراطية يرى فيها مفتاحًا سحريًا لحل مشكلات المجتمعات العربية بمجملها، مثله في ذلك مثل سائر المفاتيح العجائبية التي أناطت بها الأيديولوجيا العربية سابقًا معجزةَ النقلة الفجائية (بلا أي مجهود ولا كلفة ولا تراكم زمني) من واقع التأخر إلى مثال التقدم.

من هنا، كانت قراءة جورج طرابيشي، لمسار تطور الفكر السياسي العربي، قراءة موضوعية للقرن العشرين، بخاصة بعد أن ذاق مرارة فشل جميع التجارب الديمقراطية (الاجتماعية) و(الشعبية) في دول العالم الثالث، والاصطدام بواقع الديكتاتوريات التي تمخضت عنها جميع المشاريع والأحلام الثورية.

كان القرن العشرون -حسب نبوءة لينين- قرن الثورات، كما أكدت حنة أرندت في مقدمة كتابها المعنون بـ (في الثورة)، فإن كان نصفه الأول مهتزًا بكابوس الحروب والكولونيالية، كان نصفه الثاني متصدعًا بالتصورات الاشتراكية والحكومات الأوتوقراطية والأنظمة الثيوقراطية والبيروقراطية الفاسدة.

عاين جورج طرابيشي -وهو ابن جيل الخمسينات من القرن العشرين- سقوط التجارب الاشتراكية في العالم الثاني، وانفجار الجسم النظري للماركسية نفسها، لتتحرر تدريجيًا من ربقة ذلك القانون الجدلي الكاذب عن التناقض ما بين البنيتين التحتية والفوقية، مؤكدًا على أن الديمقراطية هي إفراز بنيوي متقدم لمجتمعات متقدمة.

لكن (سيزيف العربي) ذلك الكائن العاطفي الذي كف عقله عن الاستشراف منذ سنين، وأصبح كائنًا رومنسيًا مختزلًا وجوده في تنظيرات يسارية رومانسية في حين، وسرديات عروبية في حين آخر، لا يستطيع الخروج من دائرة الوهم الحداثي والأيديولوجيا، باعتباره قاب قوسين أو أدنى مختزلًا صيرورته السياسية في شرعية إيديولوجية؛ لتصبح الديمقراطية -كما يعبر جورج طرابيشي في مقدمة كتابه “في ثقافة الديمقراطية”- مهددةً بأن تتحول –وقد تحولت فعلًا لدى شريحة واسعة من الأنتلجنسيا المنتجة للخطاب العربي المعاصر- إلى أيديولوجيا ديمقراطية بديلة عن الأيديولوجيا الثورية أو القومية الآفلة شمسها.

إشكاليات الديموقراطية العربية:

قد يعنّ للعربي والمهتم بالزيجات الهجينة للديموقراطية والدكتاتورية في العالم العربي، أن يلاحظ أن الديموقراطية هي موضع طلب أيديولوجي شديد، ولكن دون عرض على صعيد الواقع الفعلي، ودون تأسيس نظري على صعيد المفهوم، ومن هنا، كان تفكيك جورج طرابيشي لـ (ظاهرة) الديموقراطية في العالم العربي التي لا تتألق فيه إلا بغيابها، بقصد تقويضها وكنسها نحو أفقٍ رحب أكثر مشروطية، ويخضع لرؤية أبستمولوجية. فالديمقراطية التي صودرت زُجّ بها في مخزن الماركسية العتيق، وسط تواطؤ ضمني من النخب العربية وإضراب الأنتلجنسيا عن التفكير فيها؛ ما حدا بها لرفض ذاتها.

لقد قام طرابيشي باعتقاد جازم إلى ضرورة الانتقال من أيديولوجيا الديموقراطية إلى أبستمولوجيا الديموقراطية، بما أن الفكر الأبستمولوجي يتميز عن الفكر الأيديولوجي بإخضاعه لنفسه، في مسمياته بالذات، للنظر النقدي.

أولى إشكاليات الموقف الأيديولوجي هي كونها ترى في الديموقراطية مفتاحًا لحل مشكلات المجتمعات العربية. كأنها ترياق للمشكلات، ودواء لكل داء؛ ما يعطيها طابع الإطلاقية ونفي التنسيب، وسمة الحل الأول والأخير، فهي الشرط السابق لكل شرط، وهذا أكبر خطأ، فإذا لم تكن الديموقراطية ثمرة برسم القطف، بل -وبالقدر نفسه على الأقل- بذرة برسم الزرع؛ فإن السؤال يطرح نفسه؛ هل الديمقراطية هي مجرد صيغة للحكم، أم هي أيضًا ثقافة؟

ثاني إشكاليات الديموقراطية العربية، هي تصور أنصار المذهب الديمقراطي، وكأنها فاكهة الجنة، ولكن الديموقراطية، وهي بالتعريف نقيض الطغيان وترياقه. ودون ثقافة ديمقراطية فإن الشكلانية الديمقراطية قد لا تكون حاملة معها إلا اسم الطغيان، وحصرًا طغيان العدد، وهذا ما يقودنا إلى إشكال آخر.

ثالث إشكاليات الديموقراطية العربية، هي إشكالية الغالبية، فالديمقراطية -تعريفًا- هي، بكل تأكيد، حكومة العدد الأكبر، أو بتعبير أدق الحكومة التمثيلية للعدد الأكبر. ولكن هذا العدد الأكبر ليس مطلقًا، وليس في الديمقراطية أصلًا مكان للمطلقات، ومن هنا يحدد جورج طرابيشي هذا المنطق، ضمن سجال المتحول والثابت باعتبار أن العدد الأكبر متغير دائم، ومقولة من مقولات النسبية، وبعكس الغالبية في الأنظمة الإطلاقية، فإن الغالبية في الديمقراطية مقولة أفقية لا عمودية. وهذا المنطق العددي يؤدي في سلسلة لا متناهية إلى بروز الصراعات الإثنية والعرقية، فالعدد الأكبر يواجه العدد الأصغر، والطائفة الأكبر تواجه الطائفة الأصغر، والعرق الأكبر يواجه العرق الأصغر، بمنطق كمي محض يؤدي بالديمقراطية الشكلية/ الكرتونية إلى أن تكون لحظة للصراع الإثني، وهذا المستقبل -على حد تصور طرابيشي- رهين انعتاق جدلية الغالبية والأقلية من طابعها العمودي الإثني، وبإبقائها أسيرة السطح السياسي والصراع البرلماني والحزبي ما بين قوى أيديولوجية عابرة للهوية اللونية، والانتقال من مفهوم عمودي للغالبية إلى مفهوم أفقي.

الديموقراطية العربية والديمقراطية:

لقد أكد طرابيشي على ضرورة التفريق بين المفهومين، على الرغم من التشابه بينهما في الكتابة واللفظ:démocratie  قد تكون قاتلة للديمقراطية démocratisme. فالأولى وهي الديموقراطية، والديمقراطية منطقٌ لا لاهوت، معادلة جبرية لا صيغة سحرية، لا تعد بأي فردوس ببساطة، فبين الإشكالات التي تواجهها بين غياب الوعي وضرورة ثورة ثقافية وضرورة مرحلية على طريق تبيئة الديمقراطية.

مرة أخرى، الديمقراطية العربية:

لا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين، ولكننا -على إيماننا- لُدغنا مرات عدة، ومن هنا كان لا بد -بادئ ذي بدء- من تبديد سوء تفاهم محتمل؛ فليس المقصود بـ (الديمقراطية العربية) على منوال (الاشتراكية العربية) الذائعة الصيت، أي أسطورة من أساطير الخصوصية المتجوهرة المتعالية، فالعالم العربي، الذي أصبح عاجزًا عن إنتاج تصور خاص به، أصبح يعطي لأي تصور بعدًا عروبيًا، الأمر الذي يفسر أفول النزعة الإبداعية، وتطعيم الأفكار الغربية بتوابل عربية، فنشهد اليوم تصورًا عن النهضة العربية مشابهًا في تصورها للنهضة الإيطالية، واشتراكية عربية على وزن اشتراكية سوفياتية، وحداثة عربية على شاكلة الحداثة الأوروبية، وفي حالة فشل أي تجربة من السابق ذكرهم، فإن تجار الأيديولوجيا القديمة يختبئون وراء تجارتهم، شاهرين سيوفهم نحو الفكرة، لا طريقة تطبيقها، ومن هنا أكد جورج طرابيشي قائلًا: وإنما صفة (العربية) ها هنا تشير إلى شروط تطبيق أو ممارسة الديمقراطية في العالم العربي، على تباين الهويات القطرية في هذا العالم، وعلى تفاوت درجات تطور (أو تخلف) المجتمعات العربية، وبالتالي على اللاتساوي في درجات تقبل هذه المجتمعات للديمقراطية.

سيزيف العربي:

سيزيف، ذلك الماكر الذي لعنه كبيرُ الآلهة (زيوس)، بسبب خداعه “ثاناتوس” إله الموت، عُوقب بأن يحمل صخرة من أسفل الجبل إلى أعلاه، فإذا وصل القمة؛ تدحرجت إلى الوادي، فيعود إلى رفعها إلى القمة، وهكذا يظل إلى الأبد؛ فأصبح رمزًا للعذاب الأبدي، لكن، وكما قامت النخب العربية بتأصيل أي فكرة أجنبية بنزعة عروبية، أصّلوا عذاب سيزيف وشقائه في نزعة عروبية كالعادة؛ فأصبح “سيزيف العربي” رمزًا للشقاء، يرفع الحجر الثقيل ليقع على قدميه (كما نقده المفكر التونسي العفيف الأخضر) دافعًا عواقب مغامرته الانتحارية بجنونه الثأري، لأن الثأر لا يصنع حلولًا، بل يعجل في الكوارث والمشاكل، لذلك ما زالت الدول العربية إلى يومنا هذا -نتيجة تعنتها- ترفع حجرًا ثقيلًا، ليسقط في النهاية على شعوبها التي طال ليل عذابها، حتى أصبح أبديًا، كسيزيف.

مقالات ذات صلة

إغلاق