قضايا المجتمع

“الصرخة المخنوقة” الاغتصاب في سجون الأسد

 

حصد الفيلم الوثائقي (سورية الصرخة المخنوقة) الذي عرضته (القناة الفرنسية الثانية)، أمس الثلاثاء، متابعةً يمكن وصفها بـ (الواسعة)، حيث إنه جاء ضمن تغطية خاصة استمرت نحو 4 ساعات عن سورية. يتناول الفيلم الذي أخرجته الصحافية الفرنسية مانون لوازو، عمليات (الاغتصاب) في معتقلات الأسد، وكيف استخدَمت كسلاح ضد معارضيه.

شهادات حية، وأصوات لمعتقلات سابقات يسردن قصصًا مؤلمة لا يمكن تخيلها، تم عرضها كما هي باللغة العربية، مع ترجمة مرافقة إلى اللغة الفرنسية. تقول إحدى السيدات في الفيلم: “ما كنا متوقعين بيوم من الأيام، بدولة متل سورية، يصير هالشي”، وتضيف: “كلمة اغتصاب استخدمها النظام لإذلال الرجل السوري”، حيث تشير إلى أن عناصر الأمن يعتقلون النساء ويرسلون للرجال المطلوبين يقولون لهم: إن “أختك أو زوجتك أو ابنتك لدينا”، ليسلّم نفسه.

معتقلة أخرى أوضحت، وهي تجهش بالبكاء: “بيفوتو 3 حيطان ضخمين كثير لعندي، وأنا عايشة بصراع”، وتتابع: “بيقول واحد منهم للثاني: ببلش أنا، ولا بتبلش إنت”، كان صوتها يحمل آلام جرح غائر، وقد وصفت تفاصيل الحادثة، بأحرف انطلقت كالسهام تخترق آذان من يصغي، لتستقر في أعماق روحنا، وتتهم إنسانيتنا المهدورة على مذابح السياسة، حين تتلحف بالجريمة، ويصبحا بروتوكولًا متداولًا لدول عظمى وكبرى وصغرى.

تابع العديدُ من السوريين الفيلمَ، وترك في قلوبهم حسرات العجز، أمام جبروت القتلة ورعاتهم الدوليين؛ فأفصحوا على صفحاتهم بما يختصر الكثير من الكلام.

علّق علي حمرة، الصحافي ورسام الكاريكاتير السوري، على صفحته في (فيسبوك) يقول: “ما عرضته القناة الثانية حرك جذوة الألم التي تحت الرماد بعد هذه السنوات، حكت كثيرًا عن الوجع السوري بلا رتوش”، ويتابع: “أحيي شجاعة المعتقلات اللواتي ظهرن في الفيلم، كي يدافعن عن حرائر سورية في المعتقلات، وأقول لهن: أنتن الطاهرات، وهذا العالم هو من اغتُصبت إرادته”.

المخرجة السورية إيناس حقي كتبت على صفحتها: “انتهى منذ قليل عرض فيلم (سورية الصرخة المخنوقة) على قناة (فرنسا 2)، الفيلم عن الاغتصاب الممنهج، واستخدام النظام له كأداة. تقول واحدة من البطلات: (بكرا الناس بتشوف الفيلم وبتزعل، بس ما بتعمل شي مشان المعتقلات..)” وتتابع حقي: “العجز بيخنق، صرت أسأل حالي شو فيني أعمل؟ ما عندي جواب”.

المعارض والسياسي بسام يوسف كتب يصف الحالة: “نعم، اختنقت بقهري وبدمعي بعد رؤيتي لمقاطع من الفيلم، لا أدري كيف يمكننا أن نحتمل كل هذا القهر، كيف نحتمل وجود هؤلاء في حياتنا”، وأضاف “لم تعد السياسة -ولم تكن أصلًا- هي مجال خلافنا وصراعنا الوحيد مع هذه العصابة، إن أساس صراعنا معها وجوهره هو في كونها فاقدة لأي معيار سياسي أو أخلاقي أو قيمي، إنهم ليسوا بشرًا، إنهم وحوش”.

المفكر السوري الدكتور برهان غليون كان قد دُعي إلى مشاهدة الفيلم في “عرض خاص”، في 5 كانون الأول/ ديسمبر الجاري، وكتب بعد ذلك على صفحته في (فيسبوك): “أدعو وفدَ المفاوضات إلى برمجة عرضٍ للفيلم، في بداية جولة المفاوضات القادمة، في مقر الأمم المتحدة في جنيف؛ ليكون شاهدًا على الشريك المفترض في حكم سورية (الجديدة)، وأدعو جميع السوريين والعرب إلى مشاهدته، على قناة (فرانس 2)، في أمسية حول سورية التي دمّرها بشار الأسد وزبانيته”.

دعا غليون كذلك الناشطين السوريين في الدول الأوروبية والعالم، إلى “تصوير نسخة منه، واستخدامها في ندوات تعريف بنظام الأسد للرأي العام، وإرسال نسخٍ عن الشريط لجميع رؤساء العالم ووزراء خارجيته، ممن يظنون أن من الممكن إعادة تأهيل الأسد، وفي مقدمهم السيد بوتين ووزيره لافروف ومرشد طهران الذي يدعي البابوية الإسلامية”.

وصف غليون الفيلم بأنه “فيلم مبدع، نال حتى الآن عدة جوائز دولية”، وقد اقترح على مخرجته أن يكون “وسيلة لتعبئة المنظمات النسوية الأوروبية والعالمية، للتدخل والضغط المستمر على صانعي القرار، للعمل على إنقاذ النساء السوريات القابعات منذ سنوات، في مسالخ النظام ومستودع بربريته”، وأشار إلى أنه دعا المنتج إلى تقديم عرض للفيلم في (مجلس الشيوخ الأميركي) وقال: “لقد وافق على ذلك بالمشاركة مع مخرجة أميركية مغربية شاهدت الفيلم”.

أكد غليون أن ما قدمته المعتقلات السوريات من شهادات “يتجاوز كل ما عرفه التاريخ من استباحة الجنود في العصور القديمة للمدن، فهو ليس اغتصابًا بالمعنى المعروف للكلمة، وإنما صناعة للاغتصاب أو تصنيع له، كجزء من سلاح الإبادة الجماعية والقتل المادي والمعنوي معًا، ولا علاقة له بالهمجية البدائية، والاعتداء الفردي على المرأة الأنثى”.

ربما يعدّ هذا الفيلم واحدًا من مئات الأفلام التي يمكن أن تنجز لاحقًا، عن الجرائم المرتكبة في سورية من قبل نظام الأسد وميليشياته، لكن من الواضح أن كل بيت وكل فرد يحمل في ذاكرته قصصًا لا نهاية لها، لعهدٍ أصبحت فيه ممارسات نظام الأسد وضحاياه، مواد متجددة مع استمرار الجرح السوري النازف، ومن المرجح أن تبقى تلك الأفكار مواد حية لعقود قادمة، كمصدر للأفلام، ولإدانة أصحاب القرار الذين غطوا هذا النظام.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق