مقالات الرأي

الحصاد المر

 

هل نبالغ إذا قلنا إن عنوان هذه المرحلة هو الخراب العميم، الذي تحصد شعوب المنطقة العربية، ودولها نتائجه المرّة! هل اعترافنا بالوقائع المفجعة على الأرض، هو دعوة لليأس والإحباط؟! هل الصراخ، والغضب، والرفض والاحتجاج اللفظي اليائس، للتعبير عمّا نحن فيه، كاف لتغيير معادلات سلبية متراكمة منذ عقود، وهل الشجب والاستنكار هو الطريق إلى وضع حدّ للتداعي والانهيار؟!

إن أي استعراض سريع، لأحوال “بلاد العرب أوطاني”، سوف يصيب المرء بحالة من الإحباط، والخذلان، والشعور المقيت بالإذلال، والعبث، واللامعقول. هل نحن بحاجة إلى أن نقرأ، ونسمع المزيد من تحليلات الساسة، والمحللين الاستراتيجيين الفطاحل، كي نفهم ما يدور حولنا من كوارث؟!

في الواقع، لسنا بحاجة إلى كل تلك الترهات. أي إنسان بسيط، ومهمّش قادرٌ على وضع إصبعه على الجرح بصدق، دون لف أو دوران، أكثر من أي سياسي، أو محلل استراتيجي فطحل.

لقد أورثت أنظمة الاستبداد العربية، بفسادها وإفسادها وقمعها المجتمعات العربية، أمراضًا تحتاج ربما إلى عقود للشفاء منها؛ لذلك نحن أمام مشاكل معقدة، لا تطال الأنظمة فحسب، بل الشعوب التي تلوثت بدورها مع انهيار القيم، والأخلاق، والتعليم، والقضاء، وغياب القانون، وانتشار الفوضى.

اشتعل أمل التغيير في بدايات الربيع العربي، فأظهرت الشعوب أجمل ما فيها، لكن تلك الصورة سرعان ما اهتزت، مع تصاعد وتيرة القتل والقمع، ثم انزاحت، ليظهر الوسخ المتراكم في أحشاء تلك المجتمعات، بفعل الاستبداد، والتركة البشعة التي خلّفها، التي كرّست النفاق والكذب، والمصالح الأنانية والفئوية الضيقة، ولو كانت على حساب أوطان تنهار، وتتداعى أمام أعيننا!

دعونا نسرد الأحداث المتسارعة في الأسابيع الأخيرة، التي تبدو في الظاهر، كأنها متفرقة، لكنها في الحقيقة شديدة الترابط، وهي الدليل على الحصاد المر الذي ينتظرنا، بعد السنوات العجاف التي مرّت.

نبدأ مع اغتيال علي عبد الله صالح من قِبل الحوثيين، والتمثيل بجثته بطريقة بشعة. لا نختلف أن صالح هو ديكتاتور فاسد، راكَم الأموال على حساب تجويع شعبه، ومارس طوال فترة سلطته سياسات بهلوانية، بعقد تحالفات مع هذا الطرف أو ذاك في الداخل والخارج، سرعان ما كان ينقلب عليها، إذا اقتضت مصالحه ذلك، لكنه بالنهاية وقع في شرّ أفعاله، على طريقة غلطة الشاطر، حينما لم يدرك أنه بتحالفه مع الحوثيين -هذه المرّة- قد باع اليمن إلى مشغلّيهم في دار “ولاية الفقيه”، وهؤلاء لا يمزحون، لأن لهم مشروعًا استراتيجيًا، يتطلع إلى الهيمنة على كل مفاصل الإقليم، بالتالي كان ردهم على مبادرته الأخيرة هو التصفية، وهي رسالة قوية من الولي الفقيه إلى كل حلفائه من أشباه صالح: إننا لا نمزح!

تظهر صورة كاريكاتورية أخرى مع سعد الحريري، وسيناريو استقالته من الرياض بلغة ركيكة، مرتبكة، أعاد سردها من بيروت مع تراجعه عن الاستقالة، دون أن يكون مقنِعًا في كلتا الحالتين. هو الآخر، كما بلده الصغير، تتجاذبه القوى الإقليمية والدولية المتصارعة على النفوذ. يذعن من جهة لإرادة مشغلّيه، ويدرك من جهة أخرى حجم ميليشيا “حزب الله” المتغوّلة، بوصفها ذراعًا من أذرع الولي الفقيه، التي تمددت، وتطاولت ليس في لبنان فحسب، بل في عموم المنطقة. النكتة السمجة كانت في تبرير عودته عن الاستقالة، مع تبني حكومته مقولته المسخرة: “النأي بالنفس”، فأي نأي هذا، ونحن في حقل ألغام قابل للانفجار في أي لحظة؟!

لا أريد أن أصدّع رؤوسكم بما تعرفون، عن إعلان بشائر النصر على الإرهاب في العراق وسورية، وهزيمة (داعش) التي لم تكن أكثر من لعبة من ألعاب الأجهزة الأمنية، التي شغلتها واستثمرتها طوال السنوات الماضية، لكسر إرادة الشعوب وأحلامها في استعادة كرامتها.

بكل الأحوال بات العنوان الأبرز للمرحلة الحالية: شعوب منهكة، مدنٌ مدمرّة، مئات آلاف الضحايا المدنيين من شهداء وجرحى ومعتقلين، ملايين المشردين في كل أصقاع الأرض، أنظمة استبدادية يُعاد تلميعها وتأهيلها، كي توغل أكثر فأكثر في قمع شعوبها التي تجرأت على كسر عصا الطاعة. في الوقت ذاته، بلاد مستباحة لكل أشكال الاحتلال وقواعده العسكرية: روسية، أميركية، تركية.. فيما يتبجح قادة الحرس الثوري الإيراني (الممانع) أن الطريق بين طهران وبيروت، عبر بغداد ودمشق باتت سالكة. من جهة أخرى لا نستطيع أن نغفل ما يجري في ليبيا، ومصر من كوارث، ولا أن نغفل بوادر الحريق الذي بدأ يشتعل في الخليج العربي.

بعد كل ما سبق؛ أليست هذه اللحظة هي اللحظة المثالية، المناسبة كي يخرج ترامب من الأدراج قرارَ الكونغرس الأميركي الذي اعترف بالقدس عاصمة لـ (إسرائيل) منذ سنوات، ويقوم بتفعيله بالطلب من الخارجية الأميركية نقل سفارتهم إلى القدس؟!

يقول ترامب بكل وضوح: “أنا أقرّ بواقع الحال القائم على الأرض”. في الوقت ذاته يعلن نتنياهو أن حكومته تعمل على توسيع شبكة علاقاتها مع كل دول المنطقة، باستثناء إيران.

هذه هي نتائج “صفقة العصر” التي أعلن عنها ترامب، قبل أشهر، بحصوله على المليارات من دول الخليج، مقابل تشكيل تحالف سني، على رأسه (إسرائيل)، لمواجهة مخاطر التوسع الإيراني، فهل يستجير العرب من الرمضاء بالنار!

نحن الآن -الشعوبَ والحكومات العربية- أمام ساعة الحقيقة، والحصاد المر. إذ في الوقت الذي كانت فيه الدول الإقليمية الوازنة: (تركيا، إيران، إسرائيل) تشتغل خلال العقود الماضية على تنمية قدراتها الذاتية، ومشاريعها الاستراتيجية، كانت الأنظمة العربية غارقة في خلافاتها، وتوجسها من شعوبها. يضع معظمها بيضه في سلّة الحليف الأميركي، بوصفه حاميها الأول، ويضع بعضها الآخر بيضه في سلة “الولي الفقيه”، باسم المقاومة والممانعة وفلسطين. أظهر صراع السنوات الماضية أن الأنظمة العربية تستقوي على شعوبها، لكنها خائرة العزم، ومرتهنة للقوى الخارجية التي تعمل لمصالحها، وليس لسواد عيون قادة تلك الأنظمة. الآن وقد حانت مرحلة التسويات و(الحلول السياسية) التي يُروج لها، سوف يتقاسم اللاعبون الأساسيون الكعكة، والرابح الرئيس هو (إسرائيل) التي انتظرت طويلًا هذه اللحظة.

إن تصفية القضية الفلسطينية (المركزية)، ليست مفصولة عن تصفية القضية السورية، ولا عمّا يجري في اليمن والعراق وليبيا ومصر. دول الخليج العربي سوف تدفع كل ثرواتها كي تحافظ على رأسها. أما إيران “الملالي”، فقد أثبتت أنها لاعب أساس، يجيد المساومات، بين خطاب علني تعبوي، وخطاب باطني يخفي حقيقة أهدافها الأساسية. لن تخوض إيران، على الأغلب، حربًا خاسرة في سبيل القدس وفلسطين، والآخرون لن يتجاهلوا حصتها من الكعكة.

السلطة الفلسطينية، ومعها كل الفصائل، ليسوا أفضل حالًا من المعارضة السورية. هؤلاء لا حول ولا قوة لهم. يرتهنون إلى أجندات متناقضة. سوف يعلو الصراخ، والاحتجاجات اللفظية، وسوف يسيل الكثير من الحبر في نعي عملية (السلام)، واتهام الأميركي بأنه فقد صفة “الوسيط النزيه”، وكأنه كان نزيهًا يومًا ما. يتناسى البعض أن (إسرائيل) بنَت الجدار العنصري منذ سنوات، وفصلت القدس عن محيطها، غير عابئة بالقانون الدولي، واستمرت في بناء المستوطنات، على الرغم من الشجب والاستنكار، واليوم هي سعيدة باعتراف أميركا بالرواية الإسرائيلية، باعتبارها حقيقة قائمة على الأرض.

من المؤلم أن يجد الشعب الفلسطيني نفسه وحيدًا، أعزل أمام هذه الآلة الجهنمية، وأخشى ما أخشاه أن (إسرائيل) سوف تواجه انتفاضة الشعب الفلسطيني، التي لا أشك أنها قادمة، بوحشية تفوق -هذه المرّة- كل ما سبقها، لأن الطريق أمست ممهدة أمامها، ودرسُ تعامل الأنظمة العربية مع شعوبها ما زال ماثلًا في الأذهان. بالتالي لسان حالها يقول: لن أكون ملكيةً أكثر من الملك، لذا ليس من المستبعد أن ترتكب المجازر، وتدفع باتجاه التهجير، و”الترانسفير”. هذا هو الحصاد المر الذي ورثتنا إياه أنظمة الاستبداد العربية، فمن يهن يسهل الهوان عليه!

مقالات ذات صلة

إغلاق