ترجمات

فزغلياد: المكونات الرئيسية الخمس للنصر السوري

خلال جولته شرق الأوسطية، أعلن فلاديمير بوتين عن نهايةٍ مظفرة للحملة السورية. وسيشغل تحليل نتائجها، مدة طويلة، عقولَ الكثير من المحللين في بلادنا وفي الخارج. غير أننا نستطيع منذ الآن تسمية خمسةٍ من أهم الإنجازات العسكرية-السياسية، التي تم تحقيقها على الجبهات، وفي السماء السورية.

الأسد سيبقى

هذه هي النتيجة الرئيسية للحرب، وهي تبرهن على الدور الحاسم الذي لعبه السلاح الروسي، في وضع نهاية الحرب. وهذه المرة، لم تتمكن الاتفاقات الدولية ولا التزامات الشراكة من تشويه هذا النجاح. فسورية، بصفتها أرض المعركة، بقيت روسيةً، حيث لم تطأ أقدام ترامب ولا ماكرون ولا سلمان آل سعود الأرضَ السورية، بينما كان بوتين الوحيد الذي فعل ذلك.

من حيث المغزى الإعلامي، استطاعت روسيا إثبات شعار “نحن لا نتخلى عن أصدقائنا”، ذلك الشعار الذي تمزق على بقية الجبهات. وإلى موسكو بالذات، يتقاطر -لإبرام الاتفاقات- من كان مصنفًا بالأمس ضمن لائحة الأعداء، كقطر والسعودية، في حين تبدي الدول العربية الأقل عدوانيةً استعدادها حتى لما يكاد يصل إلى درجة التحالف العسكري.

وبهذا؛ ترفع روسيا بشكلٍ ملفت من مستوى دورها في الشرق الأوسط، بما يعزز المواقع في سوق المواد الهيدروكربونية (النفط والغاز). وبالحد الأدنى، أصبح واضحًا أن تغطية احتياجات سوق الغاز الأوروبي لن يكون ممكنًا مستقبلًا من دون موسكو. إضافة إلى ذلك، هناك الكثير من الإمكانات التي يفتحها الاقتصاد السوري الذي سينهض مجددًا.

ضرب العدو عند المواقع البعيدة.

منذ البداية، كان القضاء على الإمكانات القتالية لآلاف الإسلاميين المتشددين، الذين قدموا إلى سورية، من روسيا ومن مناطق دول ما بعد العهد السوفيتي، أحد الأهداف المعلنة للحملة الروسية في سورية. وربما سمع الجميع أن اللغة الروسية كادت أن تكون اللغة الرسمية في “تنظيم الدولة الإسلامية”. كما أن المتطرفين الإسلاميين من مناطقنا أقاموا إمارةً خاصةً بهم، قرب مدينة حلب؛ فقد عُززت غالبية تشكيلات ما يسمى بـ “المهاجرين والأنصار”، بعناصر من دول آسيا الوسطى، في حين كان غالبية ضباطها من الشيشان. وقد تمكن هؤلاء من إرساء جذورهم في المنطقة، إلى درجةٍ جلبوا معها أسرهم، وأسسوا أعمالهم الخاصة ونالت “إمارتهم”، في واقع الأمر، صفة الحكم الذاتي، حتى في أوساط الإسلاميين السوريين.

كان من غير الممكن تجاهل هذا الواقع؛ فعاجلًا أم آجلًا، سيتذكر هؤلاء المقاتلون أوطانهم، وسينقلون الحرب الإرهابية إليها. وبهذا المعنى، كانت الحملة الروسية تتحرك جذريًا ضدهم، فقد تم أولًا تحديد كل هذه التشكيلات، ومن ثم القضاء عليها. وكنتيجةٍ لهذا، تراجعت معنويات الإسلاميين في روسيا إلى درجة الصفر، وأصبح مسموعًا في أوساط المجتمع الإسلامي الروسي صوتُ الزعماء الموالين للحكومة الروسية أمثال قاديروف. ومن المفهوم، أن هذه المسألة لا يمكن حلها إلى الأبد دفعةً واحدة، بل تتطلب عملًا دقيقًا ومنتظمًا من قبل السياسيين الاستراتيجيين، الذين يستطيعون إعادة توجيه طاقة الناشطين الإسلاميين، لتنصب على القضايا الإنسانية.

اختبر الجيش الروسي قدراته في حربٍ من جيل الحروب الجديدة ضد عدوٍ متمرس وفعال

تمكن “تنظيم الدولة الإسلامية”، في آنٍ واحد، من تشتيت الجيشين العراقي والتركي المسلحين تسليحًا جيدًا. ومن الممكن جدًا، أن تكون الحروب المقبلة على النحو التالي بالتحديد: تقوم مجموعاتٌ صغيرة سريعة الحركة من المقاتلين بأعمالٍ تخريبية، كما أن من الممكن أن يتعرض السكان المدنيون لعملياتٍ إرهابية مباشرة، في حين يتم تجنيد العناصر المتطرفة عن طريق العلاقات العامة العصرية. وفي هذه الحالة، قد توضع إشارة استفهام حول فاعلية الطيران.

ولكن، أبدًا! إذ إن تدخل مجموعة صغيرة من الجيش الروسي في حربٍ، كانت دمشق تخسرها عمليًا، غير موازين القوى. فالضربات الدقيقة التي شنها الطيران على مواقع الإسلاميين المحصنة، سمحت للجيش السوري وللأكراد من استعادة مدنٍ، كانت فقدتها خلال سنوات الحرب.

من ناحيةٍ أخرى، استطاع المستشارون العسكريون الروس، في غضون بضعة أشهرٍ، من فرض النظام داخل منظومة قيادة الجيش السوري. قبل انخراط المستشارين الروس، كانت اللامبالاة والفساد متفشية بين جنرالات الجيش السوري، والتي ضاعفتها الذهنية المحلية، هي السبب الرئيس وراء الخسائر التي تعرضت لها دمشق. وغالبًا ما كان المستشارون بالذات هم من ينتقي الضباط لتولي قيادة العمليات المخططة، كما كانوا يقومون باختيار هؤلاء على أساس معايير الكفاءة، بعيدًا عن الإقطاعيات والخدمات السابقة للأسر العريقة.

في الحالات الحرجة، كانت القيادة الروسية تستخدم وحداتٍ صغيرة من القوات الخاصة، على سبيل المثال، لاختراق جبهات العدو أو تصفية بعض القيادات المهمة.

من جانبٍ آخر، يجب الاعتراف أن قياداتنا العسكرية ارتكبت بعض الأخطاء والهفوات في التخطيط، في بداية العملية العسكرية؛ حيث إن القنابل كانت تسقط في الأماكن الفارغة، وكان المقاتلون يسترجعون المدن والبلدات التي تطلبت استعادتها القيام بجهودٍ كبيرة، كما حدث على سبيل المثال في مدينة تدمر. ولكن مع مرور الوقت، استوعبت أركان المجموعة الروسية خصوصية حرب المناورات؛ ما أدى إلى عدم ارتكاب أخطاءٍ أُخرى. وهكذا، وخلافًا لكل التوقعات، استطاعت روسيا، باستخدام قواتٍ محدودة، تغيير مجرى الحرب بأقل الخسائر، من دون التورط في عمليةٍ بريةٍ واسعة.

خلال سنتي الحرب، مرّ عبر قاعدة حميميم الكثير من الجنود والضباط الروس. وكانت المجموعات تستبدل بالكامل تقريبًا كل عدة أشهر، وهو أمرٌ سمح للقيادة العليا بتقييم مستوى أداء القيادات الروسية في سورية، وعلى الأرجح سيتم استنتاج ما يلزم بشأن هذه القيادات.

ظاهريًا، يبدو هذا الجيش الروسي مختلفًا جذريًا عن القوات الروسية متعددة الألوان، التي خاضت حرب 2008، حيث كانت كل كتيبة ترتدي لباسًا عسكريًا على هواها، وكانت كتائب القبائل القوقازية ترافق الجيش، في حين كان المعدات العسكرية الخربة تحمل على الأكتاف. الجيش الروسي الحالي جيشٌ يدعو للفخر. إنه قوةٌ مدربة منظمة وفعالةٌ للغاية.

جرى اختبار وسائل جديدة تمامًا لحل المهمات العسكرية-السياسية

أولًا، للمرة الأولى، تمت الإضاءة على نشاط الشركات العسكرية الخاصة في سورية. فمن الناحية الرسمية، لا ترتبط هذه الشركات بالقيادة الروسية مباشرةً، لأن هذه الشركات كانت تنفذ المهمات الضرورية للحكومة السورية: الإمساك بالمواقع الاستراتيجية (حقول النفط وسواها)، ومهاجمة نقاط المقاتلين المحورية، على سبيل المثال (تدمر). وقد أظهر عناصر هذه الشركات فاعليةً عالية، بحيث أصبحت الجيوش الخاصة، المشكلة من حملة جوازات سفر روسية وأوكرانية، تقوم بتأمين الحماية للمواقع المهمة في عدة دولٍ شرق أوسطية، في الآن ذاته. عدا ذلك، لا تتطلب مشاركة هذه الجيوش الخاصة إبرام اتفاقاتٍ معقدة بين الدول، كما لا تحتاج إلى مناوراتٍ دبلوماسية. إضافة إلى ما ذكر، أصبحت الحملة الروسية في سورية فرصةً للحصول على المعرفة والخبرة في تشكيل الشرطة العسكرية، من أبناء جمهوريات روسيا الاتحادية المسلمة.

كان سكان أحياء حلب الشرقية، الذين بقوا فترة طويلة تحت سيطرة المسلحين، ينظرون بعين الريبة إلى عودة المسلحين الموالين للحكومة، ويبدون خوفهم من فساد وعنف الأجهزة الأمنية السورية. ولكن إدخال الشرطة العسكرية الروسية على تلك المناطق، قوبل من السكان بكثيرٍ من الثقة والترحيب. وكان أفراد الشركة القوقاز يظهرون عند كل فرصةٍ مواتية ولاءهم للجيش الروسي، والتزامهم بالقسم العسكري.

جرى تنظيم أساليب فعالة لاستخدام “القوة الناعمة”

خلال الحملة السورية، اهتمت قيادة الجيش الروسي بتنظيم العمل الإعلامي، وأصبح واضحًا للجميع مدى أهمية هذا الجانب لخوض الحرب الحديثة، حيث تستطيع دولةٌ كسب جميع المعارك، ولكنها قد تستنزف عبر الأخبار التلفزيونية وحدها. ولهذا، كانت أخبار الجيش الروسي تنقل من خلال مراسلين حربيين تابعين لأفضل القنوات التلفزيونية العاملة في موسكو. أما الأخبار الحصرية فقد كان يحصل عليها مراسلو وكالات الأنباء الحربية، فقد شاركوا الفدائيين الأكراد في مسيراتهم عبر الجبال، وعبروا الصحارى في سيارات الجيب مع الميليشيات المحلية، وقبعوا في الأبنية المدمرة في الأحياء المحاصرة مع المدافعين عنها.

واتضح أن لدى بعض هؤلاء المراسلين تجربة حياتية، يستطيعون معها إيقاف فصيلٍ فار من أرض المعركة، ولكنهم يبقون صحافيين بالدرجة الأولى. لقد كان المراسلون والمصورون الروس العاملون على خطوط الجبهات الأولى مفخرة هذه الحرب بالفعل.

قامت القيادة الروسية بإنشاء مركز للمصالحة بين الأطراف السورية، بهدف حل النزاعات بينها بالطرق السلمية. وكان من ضمن صلاحيات المركز إجراء مفاوضاتٍ مع المقاتلين المعتدلين، وترتيب انتقالهم إلى جانب السلطة السورية الشرعية.

شكل هذا إطارًا واعدًا للعمل الذي يتطلب الكثير من الكوادر الجديدة، المهتمين بجوانب ثقافة ودبلوماسية شعوب الشرق. ولم تكن هناك حاجةٌ لإقحام عددٍ كبير من القوات الروسية، حيث يمكن ببساطة إجراء مفاوضات.

وهكذا، أصبح لدى روسيا مجموعة جيشٍ عصري، صغيرٌ لكنه فعال، وبإمكانه تنفيذ مهمات دقيقة في مناطق بعيدة خارج البلاد، ويستطيع تقديم الدعم للحلفاء والتصدي لمسائل سياسية بشكلٍ أفضل مما يستطيع فعله السياسيون والدبلوماسيون.

يمكن رؤية الفارق بوضوحٍ، بمقارنة نتائج نشاط البعض في سورية والبعض الآخر في أوكرانيا. ويبقى علينا أن نأمل ألا نضطر إلى العودة إلى سورية، بعد انتقال التوجه شرق الأوسطي من يد وزارة الدفاع إلى أيدي المدنيين.

أين يمكن تطبيق الخبرة المكتسبة بعد؟ سورية ليست النقطة الساخنة الوحيدة في مناطق مصالح روسيا الاتحادية. يجب إيلاء الوضع في دول وسط آسيا المزيد من الاهتمام، إضافة إلى استمرار التحرك في الشرق الأوسط. غير أن (الدونباس) يبقى أكثر النقاط ضعفًا. ففي حين يحتفل سكان حلب بالنصر، فإن الروس في دانيتسك يستمرون بالعيش في أقبية المنازل، بانتظار توقف قصف المدفعية الأوكرانية.

 

اسم المقالة الأصليةПять главных слагаемых сирийской победы
الكاتبإيغور ديميترييف/
مكان وتاريخ النشرفزغلياد. 12 كانون أول 2017
رابط المقالةhttps://vz.ru/opinions/2017/12/12/899217.html

 

ترجمةسمير رمان

 

مقالات ذات صلة

إغلاق