قضايا المجتمع

عزيزي بابا نويل: في ديارنا أطفال

 

عزيزي بابا نويل، رسول الأطفال في الأمنية والأحلام، حمّال الهدايا والمكافئات، يا مَن يُمضي الشتاء بحثًا عن طفلٍ يعجز أهله عن شراء هدية أعياد الميلاد له، يا مَن يرتحل على عربة تجرها الغزلان بسرعة الضوء، يلف المعمورة ويوزع الأمل بوداع سبات الشتاء؛ فيغمض الأطفال أعينهم، ويراودهم حلمهم في التحقق، كما كان حلمهم في حضور هديتك لهم يوشك على اليقين، حتى يستيقظوا في ربيع العمر، وقد باتوا شبابًا. نستغرب أنك منذ أعوام سبع كاملات لا تمرّ بديارنا، ولا ترسل من يستطلع حاجات أطفالنا، ولا تتطلع إلى أحلامهم ورغباتهم، أتراك تتغاضى عمدًا أم عن طيبة نية! فقد قال بعض الناس إنك تخشى الموت هنا، تخشى الإرهاب وقطع عنقك، تخشى الموت تحت البراميل، وربما تخشانا نحن الكبار؟ ولربما لأنك لم تعد ترى في ديارنا أطفالًا، فلم يعد ثمة حاجة إلى مرورك هنا!

قد لا يقنعك أي خطاب منا، ما دمت قد دخلت في عصرنة القوانين وتحديثاتها، واتخذتها منبرًا لك، وسندًا في ترحالك وتجوالك، وهذا حقك، فنحن -وهذه الـ “نحن” أمة أكل الدهر عليها وشرب، من الويلات- نعشق الحرية ونحترم القوانين والمواثيق والعهود الدولية والعصرية منها خاصة، نحب الطفولة والأطفال، نحلم بحقوق الإنسان ونريدها، ونحلم بكل قيم العصر الحديث، ولك أن لا تصدقني، وبالمثل أنا لن أصدق أنك لا ترى أطفالًا يحتاجون إلى مرورك هنا.

عزيزي بابا نويل، ألم تر “كريم”، ابن الغوطة الشرقية، وقد أطفأت عينَه شظية، وكسرت أخرى جمجمته؟ ألم تسمع بالطفل “محمد السطوف”، وقد قطعت رجليه وهو يردد: “يا بابا شيلني”، وأبوه في ذهول؟ و”أحمد الغوطاني”، وهو يصيح: “أمانة عيوني”! ألم تسمع بـ “عمران” مندهشًا من هول ما رأى في حلب الشرقية؟ و”إيلان” المرمي جثة على شواطئ بحار الهجرة والشتات؟ و”حمزة” وقد ملأت جسده الثقوب؟ سأتفق معك أنك لا تستطيع متابعة هذه الصور المؤلمة، لكن ألم تستطع رؤية جيل الأطفال في مخيمات النزوح، في حارات الشام وباقي المدن والحواري التي لم تدمّر بعد، وهي تفترش الرصيف وتلتحف السماء وتنادي: “يا عمو، طعميني”؟ ألم تتطلع على تقارير الأمم المتحدة ومنظماتها الدولية، تلك التي باتت شريعة الشرائع ومصدر القوانين والحقوق العالمية، حسب ظننا بكم. ألم تقرأ أن مليون ونصف من أطفال سورية باتوا معاقين جسديًا، وقرابة مليون يتيم في سورية! كل هذا ولم تتحرك عرباتك بعد نحو ديارنا!

سأصارحك القول، لا لتصدقني، بل ليبقى أطفالنا يصدقون وعدنا لهم أن بابا نويل سيزورهم يومًا، وأن أحلامهم ستتحقق أيضًا، بل لأبرر لك عجزك وتغاضيك غير المبرر عنا: فأطفالنا باتوا كبارًا، لا كبار في السن، كما تظن، بل شابوا على صغر، من هول ما رأوا في سبع سنين، احسبها قليلًا يا سيدي: سبع سنين تساوي ألفين وخمسمئة وخمس وخمسين يومًا، ولك أن تتخيل أن طفلنا ذا السابعة عمره 2555 سنة، اليوم! أطفالنا باتوا كبارًا يُعتمد عليهم، يجنون طعامهم، يعملون يسعون في رحاب الأرض، باتوا مسؤولين عن أسر نُكبت بمعيلها أو بمعيليها معًا، باتت الطفلة أم لأختها الصغرى، وطفل العاشرة من السنوات أب لإخوته الأصغر… وليس فقط باتوا على وعي ودراية في التحليل السياسي وفهم مجريات اللعبة، وإن سألت أحدهم عما يجري قال لك بسهولة: إنها لعبة الدول في سحق إرادة شعب، كان يحلم بأن يصبح دولة، مجرد دولة، عقد اجتماعي على المختلف بيننا، على الحق قاسم مشترك بيننا، على الإرادة الحرة في الكتابة والتعبير، على فرص العدالة المتكافئة والعيش الكريم في ظل الدستور والقوانين المرعية، أليست هذه هي الدولة؟

بابا نويل، يا سنتا غولوز، يا أيها العجوز ذو البسمة التي لا تفارق وجهه، يا رجل الحنان والدفء، يا أيها الآتي في يوم ميلاد رسول المحبة والسلام، رسول الإنسانية جمعاء، رسول المحبة الذي بشرت به كل الأديان، نحن قوم نحب السلام، تعايشنا على المحبة والدفء والحنان، آمنا بالحب، بالتعايش السلمي، فلا يغرّنك ما روج عن إرهابنا، عن شهوة القتل لدينا، وانت الأعلم منا أن الإرهاب صناعة استخبارتية محدودة الأهداف، اليوم حلت فينا، وغدا تنتقل إلى مكان آخر. فهل ستبقى تحرم أطفالنا حضورك؟ وهل ستحرم أطفال كل منطقة ينتقل إليها الإرهاب حضورك أيضًا؟

هي تصبيرة فرح، وزوادة محبة، وقليل من الابتسامة في ليل طالت سنونه، فقط هي تلك التي تبحث عنها أطفالنا، تريدها ونريدها نحن أيضًا، نريد السلام بكل معانيه وتجلياته، بعيدًا عن مكر التاريخ وعهر السياسية، بعيدًا عن وهم الحلول السياسية “الجنيفية” منها و”الأستانية” و”السوتشية” القذرة المفترضة حلًا، بعيدًا عن التنكر لوجودنا الحر، لا فهذه الكلمة باتت ذات وزر على مسمع الأمم المتحدة والعالم المتحضر، فلتكن وجودنا البكر، وجودنا الأنطلوجي الاول كبشر، نحلم ونحس ونحب الحياة، ونعشق لون الشمس والأزهار وزقزقة العصافير والوديان، نريد السلام الذي لا يشرع سطوة القاتل ولا هيمنة الاحتلال… فهل ستتأخر بزيارتك عنا؟

هنا، على هذه الأرض، هنا لم يعد ثمة مدينة فيها تحتمل وزر خطيئة الغراب، وهو يلف المدن والحارات، ينبش قبرًا هنا ومقبرة جماعية هناك، هنا بلغ الألم حد العجز، وبلغ الموت فجيعة، هنا ما زالت الأمهات ترتقب صوت فرح ينبئها عن وليدها المعتقل، والطفولة تحلم باللوح والسبورة، باللعب بأمان، هنا جمهوريات الرعب والخوف لم تكف فيها صنوف الأسلحة عن الفتك بكل حي فيها، هنا تندثر حضارة أوغاريت وماري، هنا تموت الطفولة كل يوم، ومع هذا سنبقى، سنبقى على صبرنا، على وجودنا، لا لأننا ننتظر قدومك، يا بابا نويل، يومًا واحدًا فحسب، بل لأننا بتنا لا نملك من يومنا سوى الأمل تصبيرة فرح، فهل عساك تفعلها، وتمر قريبًا منا؟

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق