سورية الآن

عقبات في مواجهة تقليص نفوذ الباسدران

 

تسعى حكومة الرئيس الإيراني حسن روحاني إلى استثمار الضغوط القوية التي فرضتها الاحتجاجات التي اندلعت في 28 ديسمبر 2017 لإعادة تفعيل دعوتها إلى توسيع نطاق سيطرتها وإشرافها على إدارة الاقتصاد وتقليص نفوذ المؤسسات العسكرية الرئيسية عليه، وفي مقدمة هذه المؤسسات الحرس الثوري.
وقال وزير الدفاع أحمد حاتمي، في حوار مع صحيفة “إيران” الحكومية في 20 يناير 2018، إن المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي وجه تعليمات بنقل ملكية بعض الهيئات الاقتصادية من المؤسسة العسكرية إلى قطاعات أخرى، باستثناء المجالات التي ترتبط بمهام الأخيرة بشكل مباشر، على غرار قطاع البناء.
يتوافق ذلك مع السياسة التي يتبناها روحاني وأكد عليها أكثر من مرة خلال فترته الرئاسية الأولى والشهور الماضية من فترته الرئاسية الثانية. تقوم هذه السياسة على أن حل المشكلات الاقتصادية التي تواجهها طهران مرهون بتعزيز قدرة الحكومة على تأدية مهامها في إدارة شؤون الاقتصاد والإشراف على المؤسسات الأخرى التي تشارك فيه، والتي تفاقمت فيها ظاهرة الفساد إلى درجة باتت محل اهتمام خاص من جانب المؤسسات والشركات الدولية المعنية بالصفقات الاقتصادية التي أبرمتها إيران بعد الوصول إلى الصفقة النووية.
كان ذلك أحد أسباب إصرار روحاني على اختيار أمير خاتمي لمنصب وزير الدفاع خلفا لحسين دهقان، لأن حاتمي محسوب على القوات النظامية وليس الحرس الثوري، بشكل رأى معه روحاني أنه يمكن أن يعزز جهوده لتقليص النفوذ الاقتصادي للجيش تدريجيا، رغم أن الحرس دائما ما كان يسعى لاحتكار هذا المنصب لصالح أحد قادته خلال الفترة الماضية.
تبدو المهمة أمام حكومة روحاني لتحقيق أهدافها صعبة، حتى لو حصلت على ضوء أخضر من جانب خامنئي، في مرحلة ما بعد الاحتجاجات التي وجهت رسائل شديدة اللهجة للنظام، بعد أن أكدت تصاعد حدة الاستياء من منحه الأولوية لدعم حلفائه في الخارج من الميليشيات الإرهابية على حساب احتواء تداعيات أزمات الداخل المستفحلة.
تقليص الضغط :
لا تستبعد اتجاهات عديدة أن تكون الخطوة الأخيرة من جانب المرشد الأعلى محاولة لتقليص حدة الضغوط التي فرضتها الاحتجاجات على النظام، وتوجيه رسالة تفيد بأن الأخير يمكن أن يتجه نحو معالجة مكامن الخلل التي تسببت في اندلاع الاحتجاجات وانتقالها من مدينة إلى أخرى، حتى عمت مناطق واسعة من إيران.
وبات النظام الإيراني مدركا أن استمراره في تبني السياسة نفسها يزيد من احتمالات تجدد الأزمة التي أنتجتها الاحتجاجات، باعتبار أن النفوذ الاقتصادي للحرس خصم من قدرة الإدارة التنفيذية، ممثلة في الحكومة، على تطبيق خططها، لا سيما بعد أن رفعت من سقف الطموحات الداخلية إزاء العوائد الاقتصادية الكبيرة التي ستجنيها إيران بعد التوصّل إلى الاتفاق النووي.
لكن النظام لا يستطيع الاستعاضة بسهولة عن الدور الاقتصادي للحرس، وهذا الدور مكن الأخير من تكوين ثروات اقتصادية كبيرة تصل سنويا إلى نحو 12 مليار دولار، في ظل مشاركته بنسبة غير قليلة في قطاعات اقتصادية عملاقة مثل البناء والطاقة والاتصالات وغيرها.
ويساعد ذلك الحرس الثوري في عدم التعويل فقط على الموارد المالية التي تقوم الحكومة بتخصيصها له في الميزانية السنوية، والتي تصل حاليا إلى ما يقرب من 7.6 مليار دولار، بشكل يعزز من قدرته على مواصلة البرامج التي لا تحظى بقبول ملحوظ من جانب الحكومة، على غرار برنامج الصواريخ الباليستية، الذي يثير استياء المجتمع الدولي، ويوجه رسالة تفيد بأن إيران تتعمد الالتفاف على بنود الاتفاق النووي.
ويحاول الحرس الثوري الترويج لمزاعم بشأن محاولات تقوم بها الحكومة لفتح قنوات تواصل وإجراء نقاشات مع بعض القوى الدولية، لا سيما الدول الأوروبية، حول البرنامج الصاروخي، وذلك من أجل إحراجها وممارسة ضغوط عليها، وإضفاء وجاهة خاصة على مساعيه لتطوير مدى صواريخه الباليستية، في تحد واضح لمطالب المجتمع الدولي.
لا توفر الأجواء الدولية خيارات كثيرة للحكومة لتعزيز دعوتها إلى تقليص نفوذ الحرس على المستوى الاقتصادي، لأن السياسة التي تتبناها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب تجاه الاتفاق النووي ودور إيران في المنطقة تعطي الفرصة للحرس من أجل الإمعان في مواصلة سياسته المتشددة، على الصعيدين الصاروخي والإقليمي.
ومن المرجح أن تشهد الأشهر الأربعة القادمة، المهلة التي منحها ترامب للدول الأوروبية لاستجابة طهران لمطالب تعديل الاتفاق قبل اتخاذ إجراءات تعرقل استمراره، جدلا سياسيا داخليا بين الحكومة والحرس، الذي سوف يستند إلى تلك الخطوات الأميركية لصد أي محاولة من جانب الحكومة لتنفيذ خططها.
تصعيد محتمل :
من شأن استمرار العقبات التي تؤثر على العمل بالاتفاق النووي إضعاف رغبة الشركات الدولية في إجراء معاملات اقتصادية وتجارية مع إيران، تحسبا للمسارات المحتملة للاتفاق النووي، الذي قد ينهار في النهاية، في حالة ما إذا لم تستجب إيران للتحذيرات الأميركية والتحركات الأوروبية.
هنا، فإن الباسدران يستند إلى هذا الاحتمال في عرقلة أي محاولات لتقييد نشاطه الاقتصادي، باعتبار أن المؤسسات والشركات الاقتصادية التي يسيطر عليها ستكون الطرف الأساسي الذي يمتلك القدرة على ملء الفراغ الناتج عن أي انسحاب محتمل من جانب الشركات الدولية، في حالة ما إذا توقف العمل بالاتفاق النووي.
ويستند الحرس إلى الخبرة التي سبقت التوصل إلى الاتفاق، حيث انسحبت الكثير من الشركات الدولية وتوقفت عن استكمال مشروعاتها الاقتصادية تجنبا للتعرض لعقوبات أميركية، بشكل دفع الشركات الاقتصادية التابعة للحرس، مثل شركة خاتم الأنبياء، إلى الدخول بقوة والفوز بمناقصات أجريت حول تنفيذ الكثير من المشروعات الاقتصادية.
من الصعب استبعاد أن يقدم النظام على اتخاذ خطوات استفزازية للرد على سياسات الدول الغربية، على غرار إجراء المزيد من التجارب الخاصة بتطوير الصواريخ الباليستية، والإمعان في إظهار دوره في الأزمات الإقليمية المختلفة.
ولفتت التصريحات التي أدلى بها مستشار المرشد الأعلى للعلاقات الدولية علي أكبر ولايتي، في 22 يناير الجاري، انتباه كثيرين لأنه قال فيها إن “إيران هي التي أنقذت العراق وسوريا ومنعت انهيار قطر”، في إشارة إلى الدعم القوي الذي قدمته طهران للأخيرة في مواجهة القرارات التي اتخذتها الدول العربية الداعية لمكافحة الإرهاب.
وتسعى إيران من وراء هذه النوعية من التصعيد إلى عرقلة محاولة إقناعها بضرورة إبداء مرونة أكبر في الملفات الخلافية مع الولايات المتحدة، في ظل المؤشرات التي كشفت إعداد بعض الدول الأوروبية، بريطانيا وفرنسا مثلا، مقاربة جديدة تحاول من خلالها إقناع واشنطن بالاستمرار في الاتفاق، مقابل الضغط على طهران للالتزام حرفيا ببنود الاتفاق، بالتوازي مع مناقشة ملفات أخرى، أبرزها برنامج الصواريخ والدور الإقليمي لإيران.
كل ذلك يوحي بأن الفترة المقبلة ستشهد تصعيدا سواء على الساحة الداخلية بين روحاني والحرس الثوري، أو على الساحة الخارجية بين إيران والقوى الإقليمية والدولية المعنية بتحقيق الاستقرار ومكافحة الإرهاب في المنطقة.

Author

مقالات ذات صلة

إغلاق