هموم ثقافية

السرد الطارد الشعر المطرود

 

هل تطرد السرديات الشعر من الساحة الأدبية فعلًا؟!

بين السرد الأدبي والشعر، تاريخ من التجاور والتداخل والتنافر وربما الحسد والغيرة والتنافس، وعلى الرغم من أنّ وجودنا البشري البدائي في الكون والطبيعة جاء محمولًا على سرديات طويلة، تداخل فيها الشفهي بالمدوّن، كما برز في المثيولوجيا وفي السير الدينية والدنيوية، لكن الشعر، بما له من وسائل التأثير الوجداني وجمال الصياغة في التعبير، وبما يتمتع به من سرعة حفظه وتداوله وذيوعه، ولا سيما في المجتمع الأقرب إلى الشفاهة والمبادهة والارتجال، سرعان ما احتلّ الصدارة في المجتمع العربي الصحراوي، ونضج واستقرّ له المصطلح المحدد لأبرز خصائصه النوعية والفنية من بين أجناس الآداب الوظيفية الأخرى، وتلك التي انتشرت في الساحات الخلفية، وراحت تمارس دورها في الظلّ، متجاوبة وملبية لمزاج شعبي تملأ فراغه وتمتعه وتعظه وتسره بمرويات يندرج فيها الجدّ بالهزل، والحكمة بالطيش والأغراض التعويضية لكل مفقود ومغصوص، وربما بعيدًا عن أنظار الخاصة والذوات.

هكذا اختار الشعر جمهوره في أوساط الفئات العليا، من نخب سياسية وفكرية وثقافية، حتى طغى مناخه وتأثيره على أمزجتهم، واستساغوا طعومه في مجالسهم ووسم أساليبهم الكتابية ولغتهم اليومية، فصاروا به يتفكهون ويسترشدون ويستظهرونه ويستعلون به، على مناكف أو خصم أو عدو، وصار لسانًا ناطقًا بهمومهم، ومدونًا لوقائع حياتهم ليعبر عن توجهاتهم ومضمون ثقافتهم، بينما ظلّ السرد مكتفيًا غالبًا بأنصاره ومحبيه من الفئات المهمشة والمنقطعة عن حياة القصور والنخب، وانصرف نحو التعويض عن تلك المناخات المخملية، إلى تزجية الوقت وتغذية الخيال المحبط والمقموع بصور المتعة والبطولة الفائقة وحكايا الحب والسخرية وغيرها، فكوّن بذلك جمهوره من المحرومين وعامة الناس، ناسجًا حكاياه حول ما يرشح إلى العامة والحكائين من ترف القصور؛ مما شكل دافعًا قويًا لانتهاك خصوصيات حياة الخلفاء والأمراء وكشف الستر عن حياتهم، بما يتناهى إلى أسماعهم، أو بما يتزيدونه عليهم، بعد أن صارت الحكاية أشبه بمهنة لها محترفوها، وربما يملحونها بكل ما يجذب أسماع العامة ويمتع أذواقهم ويغذي شهواتهم، حيث أخذت المرأة حيزًا كبيرًا، في مجالات شتى.

واللافت أنّ بعض تلك السرديات قد انتصرت للمرأة، وقدمتها بصورة من تفوقت فيها على الرجل في الذكاء والحنكة والشجاعة، وإن كان ذلك باستثمار حسها وخصائصها الأنثوية العفوية، فشهرزاد في ألف ليلة وليلة، استطاعت بما امتلكته من الذكاء ومن موهبة السرد ومتعته، أن تروّض شراسة طبع الملك شهريار المتوحش وتليينه وأنسنته، حين فعلت حكاياها فيه فعل السحر، فأقلع عن عادته في القتل اليومي لزوجاته، تزجية، لما يعانيه من سأم مرضي ومن طلب المتعة العابرة بالانتقال إلى غيرها، والعبث السادي بضحاياه! بينما ارتبط الشعر بطبيعة تركيبه ومؤثراته ومجمل خصائصه الإيقاعية والوظيفية والصوتية بحالة استظهار الذات الفردية والقبلية واستعلائهما الوجودي، أو بالمزج بين الوعي الفردي والقبلي أو بين الذات والقبيلة، ومن هنا فضله الخواص وتعاطوه مستسهلين حفظه وتناقله وذيوعه في عصر، غلبت عليه المشافهة والارتجال والصراع الوجودي، مع الآخر فردًا أو جماعة، ومع الطبيعية بكل قساوتها وندرة أمطارها وقلة خيراتها، وكلاهما يغذي العصبية في مواجهة الآخر.

كما أنّ الشعر لم يستغن عن السرد، بل استعان به في نقل أخباره في تنقلاته وحروبه وكل متاعبه ومخاوفه ومطامحه ورغباته؛ فاحتلت الحكاية والمحاورة أحيانًا موقع العمود الفقري في المعلقات وغيرها، معززة الخطاب الشعري، باستدعاء مخاطب مفترض أو حقيقي ومحاورته، ولكن السرد هنا لم ينبّه الأولين المنشغلين عنه بالشعر، إلى ضرورة تحديد المصطلح السردي في النثر، لرسم التخوم والحدود وتصنيفه ووضع المصطلحات الخاصة، للتمييز بين أجناسه، بل اكتفوا بإطلاق مصطلح النثر على كل ما هو ليس شعرًا.

قلة من الأدباء ودارسي الآداب في عصر النهضة، اتجهوا إلى الاهتمام بغياب المصطلح، الذي أدى إلى إضعاف شخصية السردية واستقلاليتها، وتخليصها من الدمج الدغمائي لها بسرديات متباينة ومتداخلة، حتى إذ بادر زكي مبارك وطه حسين وآخرون بإطلاق مصطلح النثر الفني لتمييز الفنون السردية من غيرها من النثر، ظلت خطوتهم ناقصة، لأنها لم تحدد الهوية السردية للفنون النثرية الخصبة بجمالياتها والغنية بمدلولاتها، ولم تفصّل بين أنواعها. وفي هذا السياق ذاته، تحدث علي الراعي عن رواية حسين هيكل (زينب) وصنفها في مكان وسط بين النثر الفني والرواية.

وبتأثير من التحولات النظرية السردية في أوروبا في النصف الثاني من القرن الماضي؛ ساد مصطلح السرد في تعريف الفنون السردية التراثية والعصرية، واعتبرت السرديات العربية التراثية، من مثل (كليلة ودمنة) (التوابع والزوابع) (البخلاء) والمقامات و(رسالة الغفران) (أدب  الرحلات) (السير الشعبية) (ألف ليلة وليلة) ربما بسبب من الحكم المتسرع والخفة والارتهان للنموذج الغربي، حيث صدر حُكم باعتبارها ظواهر فردية لا ترتقي، لتكون ظاهرة أدبية مرجعية متماسكة، واعتبرت ذات أفق مغلق، باعتبارها نماذج فردانية متباينة في الزمن والموضع والأساليب؛ لذا ظلت منقطعة عن التلاقح مع غيرها، فتوقفت عن النمو والتطور والازدهار، وعلى حين واكب النقد العربي منذ القدم مسار الشعر وكرّس الظاهرة الشعرية وعمل فيها، شرحًا وتمحيصًا وتصنيفًا ومقايسة ودراسات عميقة في جماليات الشعر وإيقاعه، ظلّ التأليف السردي خارج دائرة الاهتمام والتأثير، وحين رأت قلة منهم ضرورة تجاوز هذا التقصير والنقص في هذا المجال، لم يجدوا سوى المقامة ذات شخصية مميزة مستقلة، واعتبروها تمثل نصًا يمكن أن يحتذى، وذلك لاحتوائها على بطل وراوٍ، إضافة إلى كونها نصًا لغويًا، استطاع المويلحي استثماره عبر المزاوجة، بين النص التراثي العربي والنص الغربي، في روايته (حديث عيسى بن هشام)، بينما التفت غيره إلى الترجمات السردية القادمة من الغرب في شكلين متمايزين (القصة والرواية)، ثمّ راحت التجربة السردية تنضج وتتوزع على أجناس وأنواع، وصار لها أسماء ومهتمون، ولا سيما عندما دخلها رواد كبار، أسسوا لفن القصة والرواية باعتبارهما جنسين أدبين سرديين متباينين فنيًا ووظيفيًا.

وفي هذا السياق، رأى بعض الدارسين أنّ الشعر هو أدب الأمة المنتصرة، والحاضرة في ساحة الصراع عسكريًا وسياسيًا، وذلك لما للشعر من مؤهلات، سبقت الإشارة إليها، بينما أتى السرد تعويضًا نفسيًا وعزاء في الهزائم، وعبّر عن الانكفاء والميل الضاغط نحو التأمل والتفكير الصحي أو حتى المازوشي حينًا والسادي حينًا آخر، وصولًا إلى نزول الشعر عن منابره وانزوائه، ويستشهدون على ذلك بالحديث “إنّ بني إسرائيل حين هلكوا قصّوا”. حيث عبّرت قصصهم عن شتاتهم وارتحالهم، وبأن كل الفنون السردية العربية العظيمة، ظهرت في العصور المتأخرة ووقت الانكسار وضعف الأمة وتمزقها، وبأن الشعر العربي حينها تحوّل إلى هرطقات وألغاز وإخوانيات خالية من روح الإبداع والابتكار، بينما راحت السرديات تؤسس لخطاب (ما يجب أن يكون بديلًا عما هو كائن) واعتباره الخطاب، الذي يعزز القيم المعنوية في حال الضعف والفرقة والتنافس، وحلت السرديات المقروءة والمسموعة والمرئية فالزمن زمن الرواية، أي زمن حضورها الإبداعي في التلقي والتأثير والنقد بمعايير غير مسبوقة.

مقالات ذات صلة

إغلاق