تحقيقات وتقارير سياسية

وما زالت مجزرة حماة حاضرة

كثرت وتناقضت الإحصاءات حول أعداد ضحايا مجزرة حماة؛ فأوساط المعارضة، خاصة من الإسلاميين، أصدروا عدة كتيبات حول المجزرة، راوحت الأرقام فيها بين 30 و50 ألف ضحية، فضلًا عن منسوب الدمار الذي طال أحياء تاريخية بكاملها، كحي الحاضر والكيلانية والبرازية، ناهيك عن المساجد والكنائس والأبنية والممتلكات.. بما يصح وصفها بالمجزرة الشاملة، في حين أرادت أجهزة النظام الإعلامية والأمنية تقزيم العملية وضحاياها إلى “بضعة آلاف”، وإظهار أن أغلبهم من “المجرمين والإرهابيين”، ووجدت الأبواق المأجورة والمنافقة التي تروّج لمثل ذلك، وتعمل على تغطية الجريمة وخلفياتها، وسط صمت إعلامي خارجي مشبوه، طرح أسئلة كثيرة عن أسبابه ومدى صدقيته، وكأنما أريد إهالة التراب على واحدة من أكبر مجازر العصر، خاصة بعد الحرب العالمية الثانية.
لن نناقش هنا صوابية وخطأ “الحركة الدينية” في استخدام العنف، والاغتيالات في مواجهة النظام، بعد ما يشبه شيئًا من شهور العسل بينها وبينه؛ لأن ذلك يحتاج إلى فتح ملفات كبيرة وشائكة ليس مكانها هنا، ولا أيضًا مدى علاقة “الطليعة المقاتلة” بجماعة الإخوان المسلمين، التي كانت العنوان والتنظيم الذي قاد مرحلة الاقتتال، وتصريحات بعض قادة الإخوان المسلمين، لاحقًا، كالمراقب العام السابق الأستاذ علي صدر الدين البيانوني الذي نفى أن تكون الطليعة المقاتلة إفرازًا تنظيميًا للجماعة، أو أن الجماعة هي من خطط ورعى ذلك التنظيم، ومن قرر وقاد، بما يُفهم منه أنهم، لأسباب متعددة، منحوا تلك الطليعة نوعًا من مشروعيتهم، أو أنهم أجبروا على تبني ما تقوم به، ثم أصبحوا في مغطس التطورات والمآلات.
ما يهم هنا جانبان منفصلان: الأول يرتبط بخلفيات وأهداف النظام، من خلال تلك المجزرة. والثاني يتعلق بالمواقف السياسية للجماعة، في تلك المرحلة من التحالف مع القوى الوطنية الديمقراطية المعارضة.
على صعيد خلفيات وأهداف النظام، تعددت التفسيرات وتنوّعت، وإن أجمعَت على أن النظام -وهو دموي بطبيعته- مأزوم كبنية أقلوية تخشى الآخر الأكثري، أراد تلقين حماة وسورية درسًا لا ينسى؛ يكون منعطفًا في مسار الإخضاع والإطباق على الشعب والمعارضة.
هنا تحضر حماة كحالة خاصة، في ذاكرة كثير من الطائفيين الذين أرادوا الانتقام من المدينة وتاريخها، عبر تضخيم التعامل مع أبناء الطائفة العلوية، على مدار مسارات طويلة، بطريقة فوقية ومهينة واستغلالية، بين الفئات الإقطاعية الحموية والفلاحين العلويين، وما وصفه بعض المثقفين العلويين، بـ “الاستغلال المركّب” الذي يعني الطبقي إلى جانب المذهبي، وقد شكّلت زادًا، وأساسًا لما يعرف بـ “المظلومية” وتضخيمها، وتوظيفها في بناء الأسد الطائفي، وتنمية الأحقاد المذهبية، ضدّ حماة بالخصوص، والدور المتميز لحماة في مقارعة الاستبداد، وفي الدور الوطني في معظم مراحل الحياة السورية الحديثة، وعمل النظام الممنهج لتجيير معظم الطائفة في خدمة مشروعه السلطوي، وتنصيب نفسه حامي الحمى، في مواجهة الآخر “السني”، حيث إن حجم الانتقام الجماعي، والممارسات العنفية، وأعمال القتل والحرق والتمثيل والنهب والاغتصاب، وإبادة عائلات بأكملها، وإزالة أحياء برمتها، وفضائح كبيرة رافقت تدمير المدينة تشبه الغزوات البربرية في استباحتها لأيام، توضح أن الانتقام من المدينة احتلّ موقعًا بارزًا، في عمليات القصف والقتل والمذابح الجماعية وتلك الأفعال الشائنة.
وتفيد المعلومات أن أعداد المقاتلين في حماة لم تتجاوز الـ 700، وأن النظام كان بإمكانه التعامل معهم وطردهم، أو تصفيتهم وإعادة سيطرته على المدينة، دونما حاجة إلى تدميرها وإلى تلك المذبحة الشاملة، بما يؤكد حقده وتخطيطه المسبق لذلك الفعل الإجرامي. خاصة أن هؤلاء المقاتلين انسحبوا من المدينة وغادروها، وعلى الأقل معظمهم، بمجرد بدء الحشود العسكرية للنظام، وعمليات القصف بمختلف الأسلحة والاجتياح.
في الوقت نفسه، لقطع الطريقِ على تمردات مماثلة كانت مرشحة لها عدد من المدن السورية في حلب وإدلب ومناطقها وفي ريف اللاذقية أيضًا، كانت المذبحة أمثولة لكل السوريين، وشاهدًا على المدى الذي يمكن أن يوغل فيه نظام الاستبداد والفئوية، وقد نجح النظام إلى حد بعيد، في فرض السيطرة المطلقة على مفاصل المجتمع السوري، وإضعاف قوى المعارضة، وإنهاء بعض الحراك المناهض له، واستمر الحال سنوات.. وعمليًا حتى مجيء الوريث.
على صعيد “الحركة الدينية”، كان الخطاب السياسي أحاديًا، استئثاريًا يرفض مشاركة الآخرين من القوى الديمقراطية التي التقت في “التجمع الوطني الديمقراطي”، وأصدرت البيان الشهير أواخر عام 1979 الذي يطرح مواجهة النظام على خلفية بناء البديل الجذري: النظام الديمقراطي، والذي قرر بعد نقاشات طويلة دراسة أوضاع “الحركة الدينية” وتطورات مواقفها، وهناك أحزاب في التجمع طرحت أهمية الحوار المباشر مع “الإسلاميين” الذي قوبل برفض تعسفي منهم، وكانت صحفهم تكيل الاتهامات للقوى الديمقراطية، وتهدد بمنع ركوب تضحيات الإسلاميين واستغلالها؛ ما فوّت فرصًا كانت تحمل إمكانات مجابهات أوسع للنظام، وربما نجاح دعوات الاعتصام في المدن الكبرى، وخصوصًا دمشق، التي راهنت عليها تلك الجهات الإسلامية، وربما بنت حساباتها الخاطئة على وعود لم تتحقق.. فقدّموا للنظام مبررات إضافية، لشن حملات تصفية واعتقالات لكافة قوى المعارضة، وتعميم مناخات الرعب، والبعد عن العمل السياسي، والاهتمام بالشأن العام، ووقوع المعارضة قسريًا في مرحلة البيات التي استمرت نحو عقدين من الزمن، وملاحقة واعتقال وتصفية عشرات المواطنين بتُهم الانتماء إلى جماعة الإخوان المسلمين، أو الشبهة، وإصدار قانون العار (49) الذي يوقع عقوبة الإعدام بأي منتسب إلى الجماعة.
بقي أن نقول إن حماة الثائرة التي التحقت بالثورة منذ الأيام الأولى، وضربت رقمًا قياسيًا في عدد المتظاهرين الذين كان (القاشوش) جذوة حماسهم، قد هدأت على امتداد سنوات الثورة كمدينة، على الرغم من وجود آلاف الثائرين والمعارضين المنضوين في صفوف الفصائل العسكرية والجيش الحر وتشكيلات المعارضة، بما يمكن تفسيره بآثار المجزرة على أبناء المدينة، وخوفهم من تكرار المجزرة فيها.
مع ذلك، ورغم أن النظام لم يُسأل دوليًا، أو يعاقب على تلك الجريمة الشمولية بحق الشعب السوري، ومدينة بأكملها، فإن جرائم الإرهاب، والجرائم ضد الإنسانية، لا تموت بالتقادم؛ ما يعني أن ملف المجزرة يجب أن يضاف إلى ملفات النظام الإجرامية، ليساق النظام والمسؤولون عنها، وعن بقية الجرائم ضد الشعب السوري، إلى محكمة الجنايات الدولية، وهذا يقتضي تقديم المعلومات الموثقة، وإحياء الذكرى سنويًا كي تبقى حاضرة، ولا يطويها النسيان.

الوسوم

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

  1. تنبيه: ai nude
إغلاق