تحقيقات وتقارير سياسية

رغمًا عن مؤتمر “سوتشي” لم يحن الوقت لدستور جديد

انتهى جدول أعمال سوتشي، بقرار تشكيل لجنة دستورية تصوغ دستورًا جديدًا للبلاد، في حين يواصل النظام السوري قصف إدلب والغوطة الشرقية، بالتزامن مع تقدم القوات التركية في عفرين. وأعلن مندوبون من اللجنة الدستورية، معظمهم من الموالين للأسد أو “المعارضين” المحسوبين على النظام، في بيانٍ أنّ صياغة الدستور ستساهم في التسوية السياسية التي ترعاها الأمم المتحدة وفقًا لقرار مجلس الأمن رقم (2254). وسوف يُختار أعضاء اللجنة الدستورية في إطار عملية جنيف، إذ أعلن المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى سورية: ستيفان دي ميستورا، أنّه يعمل على توسيع نطاق المشاركة في اللجنة الدستورية، لتضم بما في ذلك المعارضة التي لم تحضر مؤتمر السلام السوري في سوتشي.

لم ينجح فلاديمير بوتين حتى الآن في خلق عملية سلام بديلة ذات صدقية، تنوب عن مسار جنيف. لذلك فهو يحاول التأثير، من خلال التشويش، على مواضيع المناقشات المستقبلية. فبدلًا من التركيز على القضية الشائكة لمستقبل بشار الأسد، تريد روسيا أن تكون المناقشة حول دستور مستقبلي، في حين يبقى الأسد محافظًا على مكانته في السلطة. ويبدو أنّ دي ميستورا، الذي يحاول منذ سنوات إحراز أي تقدم محتمل في المفاوضات، على استعداد هو أيضًا لمتابعة هذا المسار.

من المؤكد أنّ المبعوث الخاص للأمم المتحدة يسعى إلى بذل كل جهده، لاتخاذ خطوات إيجابية في المفاوضات، ولكن محاولات إنشاء لجنة دستورية وصياغة دستور جديد، لن تخدم مصلحة سورية في هذه المرحلة. وعلى عكس ما قاله دي ميستورا، فإنّ صياغة دستورٍ، الآن، لن يحترم قرار مجلس الأمن 2254 ولا بيان جنيف. إنّ خطة السلام التي طرحها البيان، وأقرها مجلس الأمن، تنصّ بوضوح على أنّ الخطوة الأولى في عملية الانتقال السياسي يجب أن تكون “إنشاء هيئة حكم انتقالية، تعمل على تهيئة بيئة محايدة يمكن أن يحدث فيها الانتقال”. وينبغي أن يقترن إنشاء مثل هذه الهيئة بوقف إطلاق النار الشامل في سورية.

في ظل وجود هيئة حكم انتقالية محايدة وشاملة؛ ستُستعاد المستويات الدنيا للسلامة والاستقرار، وعندئذ فقط يُمكن استعراض النظام الدستوري والنظام القانوني للبلاد؛ فليس الدستور مجرد تقنية، ولكنه بمكانة حجر زاوية للدول الديمقراطية، وهو القانون الأساس الذي يحدد المبادئ والقيم الأساسية للمجتمع. إنّه العقد الاجتماعي الذي يربط مواطني الدولة معًا. فكيف يمكن للسوريين أن يحددوا أسس بلادهم، في مثل هذا السياق من الانقسام والتشرذم، في حين يبقى الديكتاتور، الذي اضطهد شعبه والذي يكرهه ملايين السوريين، محافظًا على سلطته؟

منذ تأسيس الدولة سورية الحديثة في عام 1920، شهدت البلاد حوالي 15 دستورًا مختلفًا، إثر الانقلابات العسكرية المتكررة وحالة عدم الاستقرار السياسي التي شهدتها البلاد في العقود الأولى لتأسيسها. جاء الاستقرار بتكلفةٍ عالية جدًا، عندما استولت عائلة الأسد على السلطة، وحافظت عليها حتى الآن بقبضة حديدية. واستندت صلاحيات الديكتاتور الجديد إلى الدستور، الذي أُقرّ في عام 1973، والذي وضع قواعد 40 عامًا من الاستبداد. ونصّ الدستور على أنّ “حزب البعث” هو الحزب الوحيد المخول بتسمية رئيس الجمهورية، بينما يُمنح الرئيس صلاحيات غير محدودة تقريبًا؛ فهو رئيس الدولة، ورئيس حزب البعث، وقائد الجيش والقوات المسلحة، وله سلطات تنفيذية وتشريعية واسعة على حدِّ سواء؛ فيمكنه تعيين رئيس الوزراء والوزراء وكذلك فصلهم، وحل مجلس الشعب، وإعلان حالة الحرب والطوارئ.

وفي ثورة عام 2011، وافق بشار الأسد على كتابة دستور جديد، إلى جانب بعض الإصلاحات السياسية المحدودة؛ أراد بذلك أن يظهر أنه يقدم التنازلات، بينما في الوقت نفسه كان جيشه وميليشياته يذبحون المتظاهرين في جميع أنحاء البلاد. دستور عام 2012، والذي جرى إقراره بعد عملية استفتاء شعبي قاطعته جميع جماعات المعارضة، كان أكثر من مجرد خدعة. أُلغيت المادة 8 من الدستور السابق، المتعلقة بالسلطات الحصرية الممنوحة لحزب البعث، ولكنها أبقت صلاحيات الرئيس كاملة بل أضافت إليها صلاحيات جديدة.

الدستور الجديد لسورية لا يمكن أن يُكتب من قِبل الهيئة ذاتها التي ساهمت في قمع الشعب لعقود من الزمن. وكما هو مبين بوضوح، في قرار مجلس الأمن 2254 وبيان جنيف، فإنّ صياغة الدستور ينبغي أن تتبع عملية انتقال سياسي فعلي، لا أن تسبقها. ولا يمكن إلا لهيئة حكم انتقالية شاملة، بدون الأسد، وبوقف شامل لإطلاق النار، أن تهيئ مناخًا من الاستقرار والحياد اللازم لجميع السوريين؛ لكي يتحدوا ويقرروا القيم والمبادئ التي توجه مجتمعهم.

 

اسم المقالة الأصلي Despite Sochi, it is not time for a new constitution
الكاتب                        لورينزو باريلّا / Lorenzo Barella
المصدر مركز حرمون للدراسات المعاصرة، برنامج الباحثين الزائرين الدوليين
ترجمة وحدة الترجمة والتعريب

 

مقالات ذات صلة

إغلاق