أدب وفنون

جــثة النـار

 

في العاصفة وقلبي، قبل أن ينتفخ بطن الأرض بمجيء الإله إيروس، هدأتُ في ميقات الجنون، وأحرقت روايتي “جـثة النار”. رأيت (سعاد) ما بين البرد والسلام في توبة لدين إبراهيم، ورأيت (العم سالم) ينتشي برائحة الدخان، والعرافة (فــــــضة) على جيدها ثعبان من جبل قريتنا الأجرد المكدود. ولكن (وضاح) لم يمت، غافلني في الجمر، في رعشة السديم، في رقصة الهواء داخل رحم النار، في الورق من روايتي، وخرج إلي، من رماده انتفض وأعماني، مد كفه إلى زجاجة النبيذ وشرب كأسه.

– أتظن فعلًا أن “جثة النار” ستفنى؟ أنا مراياك أيها المؤلف المغدور.

– ولكنك كائن ورقي، أنت وهمي المزيف في عزلتي الكبرى.

بصق في وجهي، لملم الرماد في الكأس، سكب نبيذي فوقه ورقرقه في أخاديده، فعلها وضاح، أغلق باب البيت وغاب. لم يكن حلمًا، ففي “البورديل” السري بعد أن اشتقت إلى (سعاد) رأيته، كان يغازل النساء، يَهبُهن الخواتم، خواتم الموتى الذين قتلهم في حلب السورية، ويرقص أدرد الفم شاحب الدم كجنازة (العام السالم) التي شربها في كأس الرماد.

– سعاد ليست هنا، ألم تبتكرها في “جثة النار” التي أحرقت؟ عما تبحث أيها الغريب؟

– بصري يا وضاح، عيناي سقوط في البياض، اقرأ لي سيرة الفصل الأخير من “جثة النار”.

مهزومًا في روايتي، أخيط فصلها الأول بإبرة الدمع، أسكب على ورقها خمرة من الكبريت، أشكلها من احتدام التمرد في أجفان (وضاح)، ويقرأ لي، هو البدوي القادم من صحراء عرب غزاة، ويأخذني إلى سعاد، راهبة معبد النار، تصلي لكل الطقوس وتدمع، تدمع إلى أن يغار منها السحاب، تدلك مفاصلي بنبيذ أحمر، وتسأل.

– هل متنا يا وضاح؟ من سيكمل الرواية من بعده؟

مطعونًا لا أرى، جريحًا في مملكة الأنين، و(وضاح) يقايض الخلود في الورق، يجتمع بشخصيات الرواية، ينفرد بهم، يحدثهم كثيرًا عن مصيرهم وعن موتي، فيصابون بالفاجعة، ويقررون الخروج، ثم ينداح الرماد عاليًا في نار “جثة النار”، وأراهم في أول الحانة، في آخر الحانة، يخرجون بي إلى القطارات، وسعاد تقطع بي الشارع، ثم لم أعد أراهم، صارت عيناي أسيرة البياض.

– من منا الحي يا وضاح؟

– هم الموتى، الذين قتلتهم في حلب السورية، مرة قطفتُ نهد مراهقة وشويته حين أنهكني الحصار، ومرة فقست عيون الأطفال الزائغة لأنهم جعلوني أتذكر ريم، صديقتك التي التهمها الذئب، ومرة قطعت أوصال رجل عجوز، لأن أنينه حرمني من النوم، وكثيرًا ما دفعني الضجر إلى اللعب برؤوسهم. لا أنا الحي ولا أنت أيها الروائي الفاشل.

ترتجف الأرض كل الأرض معي، والشارع المحدق في البيت غبار بشري ينزح في التواريخ، أترنح كموجة من دخان، أقول لامرأة لا أعرفها.

– اقطفيني..

لا أنتظر إجابتها، أمرّ إلى أول مسلك مظلم، أسحب نفسًا من الأفيون وآاااه، أحملق في سيرتي والخسارات، أطفو على السماء، أنحني لأقبض على (وضاح)، أخنقه من وريده، أرمي به إلى قطط الليل، وأهرول، أهرول من جديد إلى حانة أبعد من رمية بصاق، أمحو عيني، وأكتبها في “جثة النار” فأبصر من جديد، وسعاد غائبة، تقصفني في التخييل، ذاكرة أبعد من الله، فلا أرى سوى وجه أمي، أشطب بعدًا وراء بعدٍ، وأرتبها في “التـــــناص”، ثم أذوبها في غياهب (سعاد)، وزمليني بالقبل، هاتي نهدك الأيمن، فهذه ليلة حللت فيها الفروج، وأبيح فيها الغناء، أصرخ عاليًا في “جـثة النـار”: أنا القرمطي وشرار اللهب، عودي بي يا امرأة الثلج إلى نزيف الصليب، إلى عشبة بلا موت، إلى طوفان أسمى من النص، إلى معبد بلا كهان”!!

– اقطفيني… مرغي شهوتي على تراب جلدك.

– خذ طائر الكاتيوشا يا (وضاح)، مزق جسد المؤلف، وافرِ عظامه فريًا.

– ومن سيكمل الرواية؟

– نحن، يا وضاح، أجل نحن أخطر الروائيين في هذا العالم، اخرج الآن من النص، تجد لك جواز سفر جديد، إنه هناك فاحرقه واحرق “جثة النار”.

هدأ حرام الحرام، خيم الرعد في قلبه، غيم وجهه بدم العناكب، توضأ بالرماد، قلب فصلًا من فصول الرواية، أشعل قلبه حذو سطر تناول سيرة أمه، ثم هرول بين الشعاب، غائمًا كموجة في ليل مدن الثورات المغدورة، دخل حانة مهجورة، من زجاج قنينة قديمة حلق لحيته، مسح وجهه الجريح، امتص دمه، غير ما يمكن من ملابسه، وعبر “بحارًا بلا شموس”.

وضاح يختبر موتي، ويقرأ سيرة هذا الفصل، يعرف أنه تائه، فيستدل بجثة النار كي يصل إلى أمكنتي، وتخبره الأوراق بين كفيه أني كاتبها، وأني أعرف أنه لا يعرف كيف سيقتلني، ولكنه يعرف حين يقفز إلى السطر الأخير من هذا الفصل، فيصاب بالغثيان، يلطم وجهه بالحجارة، يطلق رصاصة غاضبة في وجه نجمة ليل بهيم، يحرث الأرض بقدميه، يفجر صخرة في الطريق، يقرأ اسمي على غلاف الرواية، يصرخ في وجه البعيد.

– أين أكون؟ أفي هذا الورق أم في دمك أيها الروائي؟ وماذا أسمي هذه الأوراق في كفي؟ وهل هذا جسدي النحيل أم محض جنون؟

يركض وضاح، نباح الجند ورائحة الدم وأبراج الدخان تلاحقه، يتعثر ولا يسقط، يتعرق فيصهل، يرن هاتفه الخلوي، يسرع في الإجابة.

– تحرك يا وضاح، اقتله قبل أن يكمل الرواية وإلا كان موتك قبله.

ترتعب فرائصه، يغمى على بعضه، يناشد المستحيل أن يكون ممكنًا، ترتفع درجة حرارته، تحاكمه الحمى فيسقط، يلتجئ إلى أول مغارة، يزحف إلى ظلمتها مثل ضبع جريح، فيراني، وأراه، وأبتسم، فيفزع، أجره من يمناه إلى فراشي، أزمله وأغطيه، أبلل رأسه الساخن بقطرات من الماء، أهبه بعض القطن واليود، فلا ينام، ويراقبني كيف أكتبه في “جثة النار”، يمسك السلاح، لا يرتجف، يصوب نحوي، ونحو الفصل الأخير، أسقط في مدن الرماد، و.. وتُتْلَى عليّ صلاة الجنائز. هي جنازتي تجلس كصخرة في آخر الطريق، تنتظرني مع الراحلين في سيرة الدخان والريح، تلوح لجثث القتلى أن تنتظرني، تكتب شهادة الوفاة على بيارق الله القادمة من بعيد، تسعل في ارتجافتي وتئن، وتغار من كل الجيف البشرية التي لم تمت بعد في قصائد المخصيين.

لم يأت غاسل الموتى كي يرش عيني بالملح، لم تأت عاشقة كي تبكي برودة جسدي على الفراش، لم يأت رفيق كي يسرد سيرتي في اسطوانات النعي، لم يأت أخ أو أب أو حتى عامل النظافة الليلي، كي يكنسني ويريح الشارع من الذباب والبعوض، ومن مواء القطط الشريدة، لم يكن غير (وضاح)، كجبين النهار يرتدي التمائم، يخزن الهواء في رئتيه، وعن جنازتي والقمامة الإنسانية يغني، يحمل “جثة النار” على راحته، يغني في ليل الجبل الطويل، يسافر في مدن الرماد، يبحث عن سعاد، يعلن معها الحداد، يلعن الرب كثير السواد، ويزور الأولياء الصالحين دون ميعاد، وأبكي عليه، وعليّ، وعلى “جثة النار”، دون نشرٍ، تلتهمها النار.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

إغلاق