أدب وفنون

معهد فرنسي للعالم العربي؟

 

في كتابه (أصِرُّ وأوقِّع)، المنشور عام 1992، يروي الوزير والنائب والمفوض الأوروبي إدغار بيزاني ما حدثه به رئيس الجمهورية الفرنسية فرنسوا ميتران، إثر تكليفه له برئاسة معهد العالم العربي، في منتصف شهر تشرين الثاني 1988، فقد قال له هذا الأخير، في إثر صدور قرار التكليف وخلال مهمة دعاه لمرافقته أثناء أدائه لها، إنه حين وصل إلى الإليزيه، لم يكن “المعهد” سوى مشروع أسيء تدقيقه، فهو واجهة وضعت تحت تصرف الحكومات العربية في أهم عاصمة في الغرب، صحيح أن الفكرة كانت مغرية، إلا أنه كان يجب تطبيقها، وأنه في ما وراء النشاطات الثقافية الموجهة للجمهور الواسع، التي سيشرف عليها الرئيس الجديد، فإنه يريد أن يؤدي المعهد دورًا مهمًا في علاقاتنا مع الدول العربية؛ إذ “يجب أن يكتشف الفرنسيون أن ثمة هنا حضارة كبرى مختلفة عن حضارتهم، لكنها قريبة منهم على الدوام”، وأنه لا يمكنهم أن يجهلوها لأن جزءًا من مصير فرنسا يتحقق هنا، في أوروبا والبحر المتوسط؛ وكذلك، لأن هناك -أيضًا- ثلاثة ملايين عربي في فرنسا، ويجب دمجهم؛ “إذ لا يمكننا أن ندمج من لا نفهمهم”؛ كما لا يمكن أن يساعدوا في هذا المجال بإنكار ثقافتهم، بل “بإثراء أنفسنا من إسهامهم”، “فقد فعلت فرنسا ذلك طوال تاريخها، ولم تكن النتيجة شديدة السوء، أليس كذلك؟” يجب أن يصير المعهد بالنسبة إلينا مكان معرفة أفضل بالعالم العربي، على النحو الذي هو عليه الآن؛ ذلك أننا، من بين الدول الأوروبية، الدولة الأكثر خبرة بالعالم العربي، هناك إسبانيا بالطبع، لكن ذلك كان في الماضي، ولن يكون سهلًا عليها لو أرادت العودة؛ أما إنكلترا، فقد تخلت عن مكانها للولايات المتحدة التي تستخدم العالم العربي استخدامًا فريدًا من نوعه! ليس لدينا سياسة عربية، ولا تزال وزارة الخارجية تستخدم مفاهيم تعود إلى القرن التاسع عشر، أضف إليها البترول وبيع الأسلحة! ليس من الممكن الوقوف هنا، “ذلك أننا لا نملك المعارف الضرورية من أجل وضع سياسة حقيقة، وسوف ترى كيف يسعك أن نفعل، ذلك أمر مهم”، لا بد للبلدان العربية “من أن تشعر بأن مصايرنا مترابطة في ما بينها، وأننا نعتبرهم شركاء أصيلين”، ومن ثمَّ، “يجب أن يكون لمعهد العالم العربي الذي سوف تديره مكانه، سوف نرى كيف يمكن تحقيق ذلك، ما إن تتعرف عليه جيدًا وتصحح أخطاء شبابه”.

يكتب بيزاني أن ميتران، عند افتراقهما على مدخل قصر الإليزيه، ختم حديثه إليه قائلًا: “ليست مهمة سهلة تلك التي أطلب إليكَ القيام بها، لكنكَ اعتدتَ على المهام الصعبة، كلِّمني حول الموضوع، لأن الأمر مهمٌّ بالنسبة إلي”.

اكتشف إدغار بيزاني المعهد في مقره الجديد، بعد سنة تقريبًا من افتتاحه الرسمي يوم 30 تشرين الثاني 1987، لكنه، وهو يصوغ برنامج العمل الذي سوف لن يتأخر عن إعلانه، سواء على صعيد إعادة هيكلة المهام والوظائف، واعتماد منهج عمل يقوم على كسر ضروب الاستقلال الذاتي الذي اعتمدته، بقوة الأشياء، الإدارات السابقة، كي يحل محله تفاعل وظيفي ويومي، من خلال مشروعات مشتركة، سرعان ما اصطدم بالمبنى الجميل الذي سيقاوم تحقيق مشروعاته، وسيضطر من جانبه إلى القيام بعمليات تغيير داخلية تتيح له -قدر الإمكان- تكييف البناء مع المشروع الجديد الذي سرعان ما وضعه موضع التنفيذ، حين قرر عام 1989 الاستفادة من الاحتفال بمرور مئتي عام على الثورة الفرنسية، كي يقوم بعمل سياسي وثقافي جوهري: سياسي، بإدخال مصر بين الدول المؤسسة للمعهد، بعد استبعادها من الجامعة العربية بسبب اتفاقية كامب ديفيد وقبيل عودتها إلى الجامعة، من ناحية، ومن ناحية أخرى، إدخال فلسطين كعضو كامل العضوية، مستفيدًا من أول زيارة رسمية يقوم بها ياسر عرفات لفرنسا، بناء على دعوة ميتران، كي يطلب إلى المجلس الأعلى التصويت على دخول فلسطين عضوًا مؤسِّسًا للمعهد. أما العمل الثقافي، فكان تنظيم أول معرض كبير في معهد العالم العربي لتاريخ مصر الفرعوني والقبطي والإسلامي من خلال آثارها، يتم افتتاحه بعد يومين من العيد المئتين للثورة الفرنسية، تحت رعاية رئيس جمهورية مصر، بصحبة ستة عشر دولة أخرى، كانت في باريس آنئذ.

تمكن إدغار بيزاني، بدعم مباشر من قصر الإليزيه؛ حيث كان يقوم إلى جانب مهمته رئيسًا للمعهد بوظيفة مستشار للرئيس ميتران، من أن ينطلق بالمعهد على عدة مستويات قبل إتمام سنته الأولى فيه: زيارة ياسر عرفات الرسمية الأولى إلى فرنسا، وتنظيم لقاءاته مع المثقفين ومع الصحافة، ومؤتمره الصحفي في مقر المعهد من جهة، وإطلاق سلسلة المعارض الكبرى، بدءًا بمعرض (مصر عبر كل العصور) الذي زاره أكثر من أربعمئة ألف زائر، خلال ستة أشهر، وهو ما دفع المعهد إلى مقدمة المشهد الثقافي الباريسي.

لكن مشكلة ميزانية المعهد كانت العقبة الكأداء التي حاول بيزاني طوال سبع سنوات أن يجد حلًا لها، مخلصًا لما كان يراه ضرورة لا غنى عنها، أي المعنى الأعمق لرسالة المعهد. “لا يمكن لمعهد العالم العربي أن يكون المعهد الفرنسي للعالم العربي” كما قال وكتب، هو إذن معهد مشترك بين ثقافتين وبين عالمين من أجل التعارف والتفاهم، بما أن مصير كل منهما مرتبط بالآخر، ذلك يعني الشراكة في الرؤية وفي التخطيط، وفي التمويل المشترك، وفي تشكيل فريق العاملين بالمعهد على مستويات المسؤولية كلها، فإذا كان المجلس الأعلى ومجلس الإدارة يعكسان الشراكة في الإشراف وفي التخطيط وفي صوغ الرؤية، وكان موظفو المعهد ينتمون كذلك إلى فرنسا والعالم العربي بقدر من المساواة؛ فإن الشراكة المالية تكاد تكون غائبة كليًا: كانت القسمة أن تدفع فرنسا 60 بالمئة من الميزانية والدول العربية مجتمعة 40 بالمئة، كل دولة منها تدفع التزاماتها المالية، بموجب النسبة المقررة باتفاق الدول الأعضاء في الجامعة العربية. الشراكة هنا متساوية، بما أن فرنسا تستعيد عن طريق الرسوم والمشتريات ما يعادل 20 بالمئة، هكذا تكون ميزانية المعهد الصافية تؤلف 80 بالمئة من مبلغ الميزانية السنوية المعلن، والتي يفترض بالطرفين أن يتقاسماها، لكن ما كان يصل إلى صندوق المعهد من عدد قليل جدًا من الدول العربية، لم يكن يتجاوز نسبة الثمن من نصف ميزانية المعهد! هكذا سيقضي إدغار بيزاني، طوال سنوات رئاسته السبعة، محاولًا إقناع الدول العربية بالمشاركة المالية، وكان، كما يقول، يتلقى وعودًا لم يكن أصحابها يحترمونها، ولسوف يخيب أمله -أيضًا- من السفراء العرب الذين لم يكن معظمهم يدرك أهمية المعهد سياسيًا وثقافيًا، ذلك ما دفع بيزاني إلى العمل على جبهتين: حل مشكلة التمويل العربي من خلال وسيلتَين: دعوة الحكومات العربية التي تراكمت ديونها تجاه المعهد، إلى تسديد ما عليها كي يخصص مجموع هذه المبالغ لاستثمار اقتصادي، يمكن أن يعود بريع نسبي، يشكل على الأقل ضعف ما كان يصل من الدول العربية إلى الصندوق سنويًا؛ وتطوير الموارد الداخلية الخاصة، سواء عبر واردات المعارض الكبرى (وقد كان بعضها قد غطي نفقاته كاملة)، أو عن طريق تأجير عدد من قاعات المعهد، وكذلك تأسيس مكتبة تجارية تشارك أرباحها في ميزانية المعهد، هكذا، وضع إدغار بيزاني أسس الخطتين الماليتين، وبدأ تطبيقهما بالفعل عن طريق وزارة الخارجية الفرنسية، لإقناع الحكومات العربية بهذا الحل الذي سيعفيها من التسديد السنوي لحصتها أو لمراكمة دينها، لولا أنه اضطر إلى مغادرة المعهد بعد سنواته السبع، فكان على خلفه كميل كابانا أن يتابع وضعهما موضع التنفيذ جنبًا إلى جنب.

أما مسألة الشراكة في الإشراف الثقافي الذي كان يتطلب بالدرجة الأولى مشاركة نخبة المثقفين أكثر من مشاركة الدبلوماسيين، فقد عمل في حقيقة الأمر، وطوال سنواته السبع، في اتجاهات عدة تجدر مناقشتها في العمق، قبل أي مقاربة لما يجري في معهد العالم العربي منذ خمس سنوات.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. تنبيه: Click Home
إغلاق