سورية الآن

في المحرقة السورية!

 

إذا كانت واشنطن «قلقة بعمق» ولا تنام الليل إزاء المحرقة الجارية في الغوطة الدمشقية الشرقية! وباريس مثلها تتحدث عن «فاجعة إنسانية» وتخشى من حصول «كارثة»! والأمين العام للأمم المتحدة إنطونيو غوتيريس بدوره لا يخفي «قلقه» و«يدعو» جميع الأطراف المعنية إلى «إلتزام المبادئ الأساسية للقانون الإنساني»، فماذا يبقى للضحايا والمنكوبين والثكالى، وإلى مَن يتضرّعون من دون ربّ هذه الدنيا؟!
موقف غوتيريس طبيعي وعادي جداً، فهو يمارس وظيفته بدقّة! ويجهد في ذلك! وهذه تتضمن في الجزء الأساسي منها (والوحيد!) التعبير عن «القلق». وإبداء «المخاوف» والدعوة «الملحّة» إلى احترام المعايير الإنسانية.. وما إلى ذلك من مخزون أخلاقي ضخم تغرف منه الأمم المتحدة لتدبيج بياناتها ومواقفها، مثلما يغرف منه سعادة الأمين العام مصطلحاته «الوظيفية» وبأمانة لا شكّ فيها!
وهو لا يُلام في ذلك، ولا يؤخذ عليه تقصير أو استنكاف. بل ربما يكون موقفه «الشخصي» (وهذا هو الأرجح) متقدّماً على شروط وظيفته، ويتمنى لو أنّ لديها بعض الأسنان!
وتلك الشروط هي زبدة الأمم المتحدة وهذه كانت، وصارت أكثر، أشبه بمنتدى أخلاقي فضفاض وعلى وسع المدى! وجهازه التنفيذي (مجلس الأمن) يشبه بعض حكومات لبنان سوى أن آلية التعطيل فيه لا تحتاج إلى أي ثلث أو ربع أو نصف عدد أعضائه، بل إلى أصبع واحد يرفعه أحد ممثلي الدول الدائمة العضوية الخمس، لا أكثر ولا أقل!
لكن كيف يمكن أن تكون الإدارة الأميركية، وهي قائدة أكبر دولة في العالم، وأخطر قوّة من نوعها في التاريخ (عسكريّاً واقتصاديّاً) شبيهة، إزاء المحرقة السورية، بمنظمة الأمم المتحدة؟! ولا تملك سوى التعبير عن القلق «العميق» إزاء كل تلك الفظاعات والمخازي المسجّلة في الغوطة وغيرها؟! وتتغاضى من دون رفّة جفن عن حرب الإبادة الجماعية التي يشنها ممانعو إيران وبقايا السلطة الأسدية والطيران الروسي، ضد عموم المدنيين السوريين؟! وأن لا تجد شيئاً مما يحصل يستحق رنّ أجراس قيم «حقوق الإنسان» التي طالما وضعتها الإدارات الأميركية المتعاقبة في مقدّم جداول أعمالها السياسية و«الأخلاقية» وخصوصاً في مرحلة «الحرب الباردة»؟!
أم أنّ مصائر ألوف السوريين لا تستحق ما يستحقه منشق إيراني! أو كوري شمالي! أو روسي! من اهتمام ومتابعة ودقّ ونقر واستنفار ومتابعة وملاحقة وتوتير وصخب سياسي وإعلامي وعقوبات مالية وتجارية.. الخ؟!
ولا يُلام صاحب الشأن الفرنسي طالما أنّ صاحب الشأن الأميركي على هذه الحالة.. لكن برغم ذلك لا يخلو الأمر من غرابة: يلوّح الرئيس إيمانويل ماكرون قبل أيام بعمل عسكري ضد بقايا السلطة الأسدية «إذا ثبت» استخدامها للسلاح الكيماوي! في حين يكتفي وزير خارجيّته جان إيف لودريان بالأمس بلعب دور المحاضر في علوم الأنسنة والأخلاق! فيحذّر من «كارثة» محتملَة في الغوطة الشرقية ويشير إلى «فاجعة إنسانية»، ويكتفي بذلك! وكأنّ القتل بالحصار والقصف الجوي والمدفعي والصاروخي واستهداف المناطق السكنية المأهولة عشوائياً ومن دون تمييز.. وقصف المستشفيات والطرقات وعمّال الإغاثة، وقتل نحو مئة طفل وامرأة وشيخ بمعدّل يومي، هو «وجهة نظر»! فيما استخدام الكيماوي «أمر كلّه خطر»؟!
يدفع السوريون اليوم مثلما دفع الفلسطينيون بالأمس أثمان «طبقية إنسانية» معطوفة على مصالح تكتيكية واستراتيجية تليق بعصور الانحطاط وليس بزمن العلوم والفتوحات التقنية: هناك، على ما يبدو، «أنواع» من «الشعوب» لا تسري عليها مقاييس «أنواع» أخرى!! وتركيباتها الجينية لا تؤهلها لغير دور «الضحيّة»! وكأنّ نظرية النازي لا تزال معتمدة وإن بتوريات وتمويهات حداثية، في دول الغرب أساساً! طالما أنّها الأكثر تنطّحاً للغرغرة بقيم الأنسنة وكرامة البشر وقدسية الحياة!
.. وفي المحرقة السورية عار مزدوج يلحق بالجلاّد والمتفرّج معاً! وأسوأ ما في ذلك أنّه يضع «العالم الحر» في مستوى واحد مع عوالم الطغيان والتوحّش والإجرام! ومن دون أيّ فواصل! ولا قواطع… يا الله!.

(*) كاتب لبناني

Author

مقالات ذات صلة

إغلاق