قضايا المجتمع

إذا كنت تريد فهم النظام السوري؛ فانظر إلى الغوطة الشرقية

في 14 شباط/ فبراير، سُمح لقافلة مساعدات إنسانية بالدخول إلى الغوطة الشرقية المحاصرة في ضواحي العاصمة دمشق، وهي بذلك تُعد القافلة الأولى التي تكسر الحصار اعتبارًا من تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي. ونقلت القافلة إمدادات غذائية وطبية تكفي لأكثر من 7000 شخص، وذلك على سبيل تخفيف معاناة المدنيين، الذين تحملوا العبء الأكبر من سنوات الحصار والقصف المتواصل. وكانت القافلة قد حصلت على إذن دخول من النظام السوري، بعد أشهرٍ من المفاوضات والضغط الدولي. ورغم ذلك لن تكفي المساعدات لتلبية الاحتياجات الأساسية لجميع المدنيين هناك الذين قُدِّر عددهم بنحو 420 ألف نسمة. هذا ما يعني أنّ المنطقة ستعود إلى حالة حصار ما، إن خرجت القافلة من الغوطة.

دخلت المساعدات الإنسانية إلى الغوطة الشرقية وسط حملة قصف مكثف، أطلقها الأسد وحلفاؤه الروس، في الأسابيع الماضية الأخيرة. وتشير التقارير إلى مقتل ما يُقارب من 277 مدنيًا على الأقل في أيام قليلة، ناهيك عن تَعرُّض المستشفيات والمدارس والمرافق المدنية لغارات جوية متعمَّدة. هذا التصعيد العسكري الأخير في الغوطة الشرقية هو نمط مألوف للسكان، الذين أُجبروا على العيش، طوال أكثر من خمس سنوات، مع استمرار الموت والحرمان. إنّ الفظائع المرتكبة في الغوطة الشرقية هي نموذج للفظائع التي يرتكبها نظام بشار الأسد، في طول البلاد وعرضها. حيث نُفِّذت خطة دقيقة للحصار والتجويع، بهدف إبادة مجتمع كامل برمّته، جسديًا كان أو معنويًا. ما يحدث في الغوطة الشرقية الآن يشبه إلى حد بعيد تقنيات العصور الوسطى في الحروب أكثر من أن تكون حربًا في عصر حديث. من جانبه حذّر المبعوث الخاص للأمم المتحدة في سورية، ستيفان دي ميستورا، من عواقب هذه السلوكيات المتبعة في سورية.

يحاصَر سكان الغوطة الشرقية منذ خمس سنوات تقريبًا، في حين أن سنة واحدة من حصار سراييفو المشؤوم صدم العالم في تسعينيات القرن الماضي لسراييفو. يعاني سكان الغوطة الشرقية، على مدى خمس سنوات، أمام مرأى العالم، فهم محرومون من الغذاء والأدوية. يسمح النظام من وقت لآخر لبعض رجال الأعمال المقربين من الأسد ببيع المواد الغذائية وغيرها من السلع إلى المنطقة المحاصرة، ولكن بأسعار مضاعفة تصل إلى ثلاثة أو أربعة أضعاف الأسعار الحقيقية، الأمر الذي لا يتحمله سوى عدد قليل جدًا من سكان الغوطة. وعلى الرغم من المعاناة المستمرة، فإنّ أهالي الغوطة لم تستسلم، وبدؤوا في زراعة محاصيلهم الخاصة، وحفروا أنفاقًا تصل بضواحي دمشق، وصمدوا طيلة سنوات الحصار بفضل السلع القليلة التي كانت تصلهم بطرق غير مشروعة، من خلال المهربين والسماسرة. ومنذ شباط/ فبراير 2017 دمّر النظام أغلبية الأنفاق، وسرعان ما تفاقمت الكارثة الإنسانية. في صيف 2017 كانت الغوطة الشرقية إحدى “مناطق خفض التصعيد” المتفق عليها في أستانا، ولكن هذا لم يجلب أي مساعدة للمدنيين. ولم يتوقف القتال هناك، كما هو الحال الآن، ولا يزال المدنيون محاصرين دون طعام وأدوية، في حين يستهدف النظام السوري وحليفه الروسي المشافي والمدارس والمرافق الحيوية الأخرى، بصورة منهجية ومتعمدة.

ووفقًا للقانون الدولي الإنساني، فإنّ الحصار لا يمكن أن يكون قانونيًا وشرعيًا إلّا إذا كان يسعى إلى تحقيق هدف عسكري مشروع. بل على النقيض من ذلك، فإنّ الحصار الذي يرمي إلى تجويع المدنيين يتطابق مع جرائم الحرب. وهذه القاعدة منصوص عليها صراحة في البروتوكول الإضافي الأول (المادة 54) والثاني (المادة 14) لاتفاقيات جنيف، سواء بالنسبة إلى النزاعات المسلحة الدولية أو غير الدولية. إنّ معنى المجاعة في القانون الدولي يتجاوز أن يكون مجرد افتقار إلى الغذاء فحسب، بل يشمل بما في ذلك الحرمان من الأدوية والمواد الأخرى الضرورية لبقاء السكان المدنيين على قيد الحياة.

استخدم النظام وحلفاؤه دائمًا ذريعة “مكافحة الإرهاب”، لارتكاب فظائع شنيعة في البلاد. غير أنّ هذا العذر بات مكشوفًا. وحتى في حالة استيلاء النظام بالفعل على الغوطة الشرقية، بعد انتصار عسكري على جماعات المعارضة المسلحة المسيطرة هناك، فإنّه سيعمل على ترحيل السكان من المنطقة عوضًا عن السماح بمرور قوافل المساعدات الإنسانية والإمدادات الطبية الأساسية إليهم.

وهناك فعل آخر يجسد طبيعة النظام السوري؛ وهو الطريقة التي يعالج بها مرضى وجرحى الغوطة الشرقية. لا يكتفي النظام السوري في تدمير المرافق الصحية الأساسية فحسب، بل يمنع دخول الإمدادات الطبية الكافية أيضًا، ناهيك عن رفضه إجلاء أولئك المصابين الذين هم في حاجة ماسة إلى الرعاية الطبية والصحية. ولأكثر من 6 أشهر، ابتداءً من صيف 2017، طلبَت مجموعة عمل تابعة للأمم المتحدة، أنشئت لتحسين الوضع الإنساني في سورية، من النظام السوري السماح بإجلاء قائمة تضم 500 مدني في حاجةٍ ماسةٍ إلى العلاج الطبي، معظمهم من الأطفال والنساء والمسنين. لم يسمح النظام سوى بإجلاء 29 مريضًا فقط، وذلك في الأشهر الأخيرة الماضية. وفي الوقت الذي يزداد فيه عدد المحتاجين في القائمة، يموت البعض منهم وهم ينتظرون “رحمة” النظام السوري. في حين تُعدّ رعاية المرضى والجرحى التزامًا بموجب القانون الدولي الإنساني، وعلى النحو المنصوص عليه في المادة 3 المشتركة من “اتفاقيات جنيف”. لكنّ النظام السوري أظهر، مرات عديدة، أنه لا يأبه بالقانون الدولي، لأنّه لا يكترث في الأساس إلى معاناة الملايين من السوريين. وهو ماض في ارتكاب جرائم حرب، لأنه على يقين تام بأنّ لا أحد سيعاقبه مستقبلًا، وأن الإفلات من العقاب أمر محتوم بالنسبة إليه.

 

اسم المقالة الأصلي If you want to understand the Syrian regime, look at Eastern Ghouta
الكاتب                        لورينزو باريلّا / Lorenzo Barella
المصدر مركز حرمون للدراسات المعاصرة، برنامج الباحثين الزائرين الدوليين
ترجمة وحدة الترجمة والتعريب

 

مقالات ذات صلة

إغلاق