أدب وفنون

الشاعر السوري عبد الله الحامدي: قارّة الرواية ستغرق من كثرة الشعراء المهاجرين إليها

عبد الله الحامدي شاعر وصحفي سوري، ولد في مدينة عامودا 1967، يعمل منذ أكثر من عقدين في الصحافة الثقافية، كاتب مقال ومحررًا، أشرف على القسم الثقافي لصحيفة (الراية) القطرية، ومن ثم على الملحق الثقافي لجريدة (الشرق)، فمديرًا لتحرير مجلة (أعناب) الثقافية، له في الشعر ثلاثة دواوين، هي: (وردة الرمل)، (نشرة غياب)، و(الرهوان)، بالإضافة إلى كتاب نقدي بعنوان (ملامح تشكيلية قطرية)، مترجم إلى اللغتين الإنكليزية والفرنسية، وفيلم (ماردين) الوثائقي.

التقينا الشاعر الحامدي، وحاورناه حول الشعر وديوانه الجديد (الرهوان)، وكذلك عن فيلمه الوثائقي (ماردين)، في ما يلي نص الحوار:

– كل مبدع له حكايته الحميمة مع نصه الأول، ماذا عن خطوتك الأولى في أرض الكتابة؟

= يبدو لي أن الكتابة في حالة الشعر تختلف جذريًا عن الكتابة في حالتها المطلقة، بل إن اختلافها هذا هو بمقدار عدد الشعراء أنفسهم، ومن حسن الحظ أنني ولدت في بلدة سورية نائية جدًا اسمها (عامودا)، مرمية على الحدود الشمالية؛ لذا فهي قريبة من شروق الشمس والسنونو وأغاني المذياع. كان لدي حذاء مخملي أزرق جلبه جدي من “فوق الخط”، أي من تركيا، فقطعت به شارعنا الترابي لأول مرة، في ما يشبه العبور على السجاد الأحمر، ولكن في مهرجان حقيقي، كانت هذه هي الخطوة الأولى، قبلها كنت حافيًا دومًا، ولكي أستعيد تلك الحرية التي ما قبل الحذاء، رغم جماله، فقد كتبتُ الشعر.. لاحظ أنني قلت “شارعنا”، أما الآن فلا أملك من وطني سوى الهواء الذي أتنفسه.

– صدر لك مؤخرًا ديوان جديد بعنوان (الرهوان)، وقد أقمت حفل توقيعه بمعرض الدوحة الدولي للكتاب. كيف تنظر إلى واقع الشِعر عمومًا، وهل لاقى ديوانك الحفاوة المرجوة؟

= (الرهوان) فاجأني، حتى من جهة تلقي القراء له، فقد طُبع في لحظة يأس مطبقة، ولم يعد صاحب هذا الحصان “المتململ” يرجو شيئًا سوى العودة إلى الطفولة، والتغريد خارج السرب أو الأسراب، لقد أحب القراء ذلك، لأن الشعراء هَرمِوا دفعة واحدة، بل إن كثيرًا من الشعراء والنقاد أيدني بتلك العودة، بعد أن أصبح الشعر في الصف الأخير من مسرح القراءة والحياة، على حد سواء.

النقد يلازم الإبداع

– يرى بعضهم أن المبدع ناقد بالضرورة، انطلاقًا من نصه مرورًا إلى نصوص الآخرين. كيف تنظر إلى هذه الظاهرة، خصوصًا أنك كتبت العديد من الدراسات في هذا المجال؟

= هناك نوعان من النقد: الظاهر عبر الممارسة، والباطن الذي يتجلى عبر الإبداع، بهذا المعنى ليس هناك مبدع بلا موهبة نقدية، النقد يلازم الإبداع، بل يتقدم عليه أحيانًا، فيصمت المبدع –وهذا لصالحه– ليتحدث الناقد.. في تجربتي الشعرية، فضلتُ الصمت على ممارسة النقد، فما أود قوله شعرًا أقوله شعرًا، إلا ما يستدعي التوضيح في هذه المناسبة أو تلك، لكن الأمر يختلف في النقد التشكيلي، الذي وجدت فيه تمهيدًا لعودة قريبة أو بعيدة إلى الرسم، الشعر والرسم كلاهما يشرب من البئر ذاتها. طبعًا، هناك فنون أخرى أكثر تعقيدًا تشرب وتتشرب، مثل المسرح والسينما والموسيقى، وكلها قابلة للتداخل والتناص الذهني أو الوجداني أو التقني، لكن يبقى الرسم بداية الشعر، والشعر بداية الرسم.

– ثمة ظاهرة لافتة في الوسط الإبداعي، وهي تحول العديد من الشعراء إلى عالم الرواية. كونك شاعرًا؛ كيف تنظر إلى هذه الظاهرة، وما هي الأسباب التي تدفع الشاعر تحديدًا إلى كتابة الرواية؟

= إذا استمر الشعراء في غيبوبتهم عن فنهم، متجهين إلى الرواية؛ فسوف يأتي يوم تغرق فيه قارة الرواية من كثرة المهاجرين إليها!

الكتابة بالصورة الوثائقية

– أخرجت فيلم (ماردين)، ما الرسالة التي أردت إيصالها عبره، أم أن الفيلم يقع ضمن شغفك بالتجريب؟

= كانت (ماردين) قصيدة مستحيلة، كتبتها في العام 2005، وقبل أن أراها، كنوع من الاستدعاء الأسطوري للماضي، أو ربما “يوتوبيا” لمستقبل حالم، فهذه المدينة الأثرية الباهرة، والتي كانت تخطفنا من بعيد بأضوائها الملونة ليلًا، وببياضها الناصع نهارًا، معتلية صهوة جبل على الحدود السورية التركية، وصلتني حكاياتها وأخبارها وكل تفاصيلها عبر جدتي الشيخة بديعة الحامدي التي عاشتْ طفولتها هناك، ثم حُرِمتْ منها بسبب النفي بين الحربين العالميتين، ورغم أن جدتي لم تبعد سوى بضع عشرات من الكيلومترات عنها، إلا أنها بقيتْ تبكي تلك المدينة بحزن شديد أو فرح عارم، لا أدري.. بعد خمس سنوات من كتابة القصيدة، ذهبت لاكتشاف مدينتها وقصيدتي عبر الكاميرا.. لتنتابني تلك القشعريرة الغامضة، خصوصًا عند رؤية بيت العائلة القديم الذي بقي على حاله، بأحجاره ونقوشه وروائحه، وكل شيء تقريبًا: القصر والأزقة والأدراج والأقواس والشرفات والمآذن والنواقيس والتضاريس والأزمنة والخوابي وضحكات الأطفال وخجل النساء وأشجار التين والعنب واللوز.. اعتقدت أن جدتي من فرط حنينها كانت ترسم صورة لجنة تتخيلها، وأناس من مختلف الأجناس واللغات والأديان التقوا في هذه البقعة العالية، وأحبوا بعضهم بعضًا، فاكتشفتُ أن كل ما قالته هو فيلم واقعي “مارديني”، وليس هنديًا أو إيطاليًا!

ظاهرة الكتاب الإلكتروني

– ثمة ظاهرة لافتة عن انتشار الكتاب الإلكتروني، إلى أي مدى يساعد الإنترنِت في انتشار الكتاب، بالتزامن مع رداءة التعامل مع الكتاب من قبل دور النشر العربية؟

= معركة الكتاب بدأت، كلاهما في خندق واحد، الكتاب الإلكتروني والكتاب الورقي، فالكاتب لا يستورد قراءه من عصر آخر، القارئ ابن هذا العصر، والكتاب الإلكتروني فرض حضوره عبر “الموبايل والآيباد واللابتوب” وسواه.. على الكاتب أن يستوعب طبيعة هذا العصر الجديد، بعيدًا عن رومانسية ملمس الصفحة ورائحة الطباعة ومشهد الأغلفة على واجهات المكتبات، رومانسية نحبها جميعًا ولن نتخلى عنها، ولكن عدد البشر اليوم يفوق سبعة مليارات، وعلينا أن نصل إلى أكبر عدد منهم.

– كيف تقرأ المشهد الإبداعي والثقافي في العالم العربي اليوم، في ضوء المتغيرات السياسية والاجتماعية المتلاحقة التي طالته في السنوات الأخيرة؟

= الثقافة العربية مقبلة على خريطة جديدة، إما أن يتحول فيها المثقف إلى إنسان فاعل ومُؤثر ومُغير في الحياة، أو سوف يُوضع في قفص، ليُعرض على السياح والزائرين في أحسن الأحوال.

 

المرور بمهنة المتاعب

– إلى جانب عملك مديرًا لتحرير مجلة (أعناب) القطرية الثقافية، تكتب المقال الصحفي. برأيك، ماذا يقدم العمل في الصحافة للمبدع، هل يضعف إبداعه أم يجعله أكثر غنى؟

= ثمة جوابان متناقضان عن هذا السؤال، وأعتقد أن كليهما صحيح، الأول يقول: إن الصحافة تقتل المبدع لأنها تبدد طاقته، والثاني: إن صاحبة الجلالة تزود فارسها الهُمام بأسرار العلاقة مع رعية القراء، وتمده بخبرات وتجارب وأدوات، يصعب على المبدع أن يستحوذ عليها دون المرور بمهنة المتاعب، بصراحة، لا أزال أميل إلى الجوابين معًا.

– ما جديدك؟

= بعد ثلاثة عقود من الكتابة الشعرية، وتحديدًا في مضمار تطوير قصيدة النثر، أستعد حاليًا لتقديم تجربة جديدة، يتحرر فيها الشعر من كل القوالب التي جعلته يترنح إلى هذه الجهة أو تلك، أي الشعر بمعناه الحقيقي، دون أعباء الأوزان والأفكار والصور المسبقة، بل دون الارتهان إلى الفنون الأخرى، مهما كانت درجة إغرائها وإبهارها، مثل الغناء أو السينما أو الرواية، لقد قطعتُ شوطًا مهمًا، والمهم عندي أن تصل التجربة إلى القارئ دون أن يتبادر إلى مخيلته أو ذائقته أنها جزء مما يسمى كسلًا “قصيدة النثر”، وإنما هي “شعر” فحسب، قارئ الشعر اليوم أصبح أكثر وعيًا وذوقًا، وأعتقد أن مصطلح “قصيدة النثر” سيزول ليبقى الشعر.

من ديوانه الأخير (الرهوان):

 

أسيرُ بكتفٍ واحدةٍ

الأخرى تركتُها في الماضي

إذا عُدتِ

فابكي عليها

أما أنا فدعيني

أتأمل غريمي: رقاصَ الساعةِ!

الحب يا حبيبتي

يحتاج جبلًا أشم كـ “ماردين”*

وطيورًا محلقةً كأضلاعي

 

أتنفسُكِ بعمقٍ

أتنفسُكِ على ارتفاعٍ منخفضٍ

أمتشقُ جسدكِ كسيفٍ دمشقيٍ

ونخوضُ معًا أرضَ الآلهةِ والأنبياءِ

أين المحاربونَ؟

لا أرى سوانا

هنا

آخذُكِ منكِ وأعيدكِ إلي

فلا تبقين سوى عطرٍ

يملأُ الفراغَ الذي يساويكِ

ولا يفارقُكِ

 

تنظرينَ إلي

حزينةً كتمثالٍ تدمري

يلفك الضبابُ

مثل جنةٍ سورية

تحت خد الصباحِ

على بعدِ ليلةٍ ونصف

من عرقِ الإبطِ

ونعناعِ الترقوة

تجهشين

يساوركِ الشكُ بي

وليس الشكُ سوى

رقصةٍ في الهوا

وللهوى

الأزرقِ السماوي

 

يا لقمري الأسمرِ

يقطرُ دمًا فضيًا!

يا لقبلتي

لها طعنةُ الخنجرِ!

تقولين لي:

تريثْ في الجري إلى حقولي

وزرعتِ وردةً في السياجِ

أقولُ لكِ:

أنا الرهَوانُ

الضجِرُ

حكيمٌ قديمٌ

بروحِ طفل

 

………………………………..

* ماردين: مدينة جبلية ساحرة تطل على “عامودا”، مسقط رأس الشاعر

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. تنبيه: Dan Helmer
إغلاق