تحقيقات وتقارير سياسية

الجريمة برعاية أممية

 

تابع العالم كله المداولات والمفاوضات لأيام، قبل إقرار (اللا قرار) 2401 الذي ما إن صدر حتى رحّبت به أطياف واسعة من المعارضة، دون قراءة متأنية لبنوده، وفاتهم أنه مجرد قرار مطالبة وتمن، وليس فيه من الهدنة إلا اسمها، بعد أن تحوّل مجلس الأمن إلى مجلس إدارة للجريمة، وشاهد عيان يُلبِس الحق ثياب الباطل.

نقض الرئيس الروسي علنًا القرار 2401، من خلال إعلانه عن هدنة مؤقتة، تمتد من التاسعة صباحًا حتى الثانية من بعد الظهر، يوميًا. ماذا يعني هذا التصرف من طرف الرئيس فلاديمير بوتين؟ في أحسن الحالات كأنه يقول لمجلس الأمن أنا من يُحدّد الهدنة متى تبدأ ومتى تنتهي، رغم أن المندوب الروسي قد أجّل التصويت مرتين، لإجراء تعديلات على المشروع السويدي-الكويتي، حتى صدر القرار على صيغته الحاليّة فارغًا من المضمون، بعد جولات مكوكية من المشاورات والتنازلات، حتى بات القرار عبارة عن جملة من الأمنيات، تتحدث عن كل شيء إلا الهدنة.

لم يكتف الجانب الروسي بنقض الهدنة رسميًا، وإنما استثمر الفقرة الخاصة بإخلاء الجرحى؛ ليحولها إلى باب عريض، يستطيع من خلاله تهجير كافة المدنيين من الغوطة، كما حصل تهجير وادي بردى والزبداني وداريا، من خلال تصريح وزير الحرب الروسي الذي قال إنهم يسعون لفتح ممر آمن لإخراج المدنيين، وبذلك يكون الإجرام الروسي الأسدي قد قرّر تهجير أكثر من ثلاثمئة ألف شخص، ورافضًا في الوقت ذاته، ثلاث مرات، خروجَ (جبهة النصرة) من الغوطة، وهكذا تصبح عمليات التهجير التي ترقى إلى جريمة التطهير الطائفي عملًا مشروعًا، تحت إشراف الأمم المتحدة، وإلا؛ فماذا يعني أن نُخيّر الإنسان بين الموت قصفًا أو ترك منزله!

التصريحات الروسية الأخيرة بشأن “الهدنة اليومية”، وتهجير المدنيين تُمثّل قمة العهر السياسي، فأن تقوم دولة عضو في مجلس الأمن، بالتعسف في استخدام حقها القانوني، بصفتها عضوًا دائمًا في مجلس الأمن، لتُعطّل قسمًا من قرارته وتسطو على القسم الآخر، يحيل مجلس الأمن إلى مجلس لتنظيم الجريمة والإشراف عليها.

في حقيقة الأمر، هناك الكثيرون ممن لم يتفاجؤوا بالقرارات الروسية المتوافقة مع منهجية إجرام الطغمة الحاكمة في دمشق، والتي صرح رأسها منذ سنوات بأنه بصدد القضاء على الملايين، بصفتهم بيئة حاضنة للإرهاب، وحسب تعريفه لهذه البيئة، فإن كل شخص يحاول -ولو بينه وبين نفسه- أن يكون حرًا؛ فهو “إرهابي” بالضرورة. ومن الطرف الروسي كانت التصريحات أوضح من أن نشرحها، فقد كرر وزير الخارجية الروسي -في أكثر من مناسبة- أن روسيا لن تسمح لأتباع المذهب السني بحكم سورية، ولَم يخفِ ذلك، ولَم يكن زلة لسان ليعتذر عنها، فهذا موقف رسمي لحكومة روسيا، كما أن روسيا التي تتماهى مع النظام الحاكم لم تكن تنوي يومًا السير في حل سلمي أو سياسي في سورية، وأعلنت ذلك من خلال اتفاقات أستانا، بأنه بعد ستة أشهر، يجب أن تعود المناطق المحررة لتكون تحت سلطة النظام، من خلال الاستسلام الكامل الذي تُسمّيه روسيا مصالحة محلية، وتكررت النية الروسية، من خلال فقرتين في أوراق سوتشي، هما تكليف الجيش السوري بمكافحة الإرهاب، واعتبار أن أي سلاح خارج يد السلطة هو إرهاب يجب مكافحته. وللأسف، وقّع على هذا الكلام طيف ممن يزعمون أنهم معارضة، ويتباكون اليوم على أطفال الغوطة.

في النهاية، إن ما طرحَته روسيا كهدنة يومية من خمس ساعات هو خدعة جديدة، والخمس ساعات هذه هي وقت تحتاج إليه الميليشيات المهاجمة للاستراحة والإعداد، ومراجعة الموقف على الأرض؛ لإحكام سيطرتها على خطوط النار، ولأن طيرانها لا يستطيع منح الغطاء الجوي على الأرض أربعًا وعشرين ساعة في اليوم، أما في حال خروج المدنيين، سواء أكانوا جرحى أم لا، فهناك مخاوف كبيرة من أن تقوم الميليشيات التابعة للنظام ولإيران بإعدامهم ميدانيًا، واتهام (المسلحين) بأنهم من قام بقتلهم، وللنظام وإيران سوابق إجرامية كثيرة في هذا المضمار.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

إغلاق