تحقيقات وتقارير سياسية

تدمير التراث الأثري والثقافي لسورية يجب أن يتوقف

 

مع استمرار معاناة الشعب السوري، من أكبر مأساة إنسانية في القرن الحادي والعشرين، فإنّ التراث الثقافي والتاريخي أيضًا لبلادهم أصبح في مهب الريح. فبحسب (يونسكو) دُمِّر عددٌ من المواقع المدرجة ضمن لائحة التراث العالمي، بشكل كامل، خلال النزاع المسلح الجاري منذ 7 سنوات.

دمّر تنظيم (داعش) معظم مدينة تدمر، بما فيها المدينة القديمة. وتحوّل المدرج الروماني الفريد من نوعه إلى مسرح لجرائم قطع الرؤوس التي يقوم بها (داعش). ومن ناحية أخرى، أصبحت (قلعة الحِصن)، الواقعة على السهول الشمالية لسورية، بمثابة مرفق عسكري للنظام السوري، رغم تعرّضها لأضرار كبيرة، لا سيما المعبد والسور الذي ما تزال آثار القذائف شاهدًا على ضراوة المعارك. وكذلك أيضًا عانت كنيسة القديس سمعان العمودي البيزنطية (قلعة سمعان) إلى حدٍّ بعيد، من جرّاء استهدافها من قبل (جبهة النصرة)، وبسبب الغارات التي يقوم بها النظام السوري، والسلاح الجوي الروسي. أمّا حلب -وهي من أقدم المدن تاريخيًا- فقد تحوّل سوقها الشهير بـ (سوق المدينة) إلى مسرحٍ لأكثر المعارك دمويًة وتدميرًا التي شهدتها سورية حتى الآن؛ حيث حُرِق السوق بأزقته القديمة ومحالّه المزدحمة، ودُمرت مئذنة الجامع الأموي، الجامع الأكثر شهرة في المدينة والواقعة في منطقة السوق، في نيسان/ أبريل 2013.

هذا السرد للدمار الذي لحق بأهم المواقع الأثرية في البلاد ليس سوى غيض من فيض.. فالكثير من ثروات سورية الثقافية والتاريخية فُقدت بشكل كلّي ونهائي. إنّ لهذا التدمير للتراث التاريخي والثقافي الثمين تأثيرات خطيرة على الهوية الوطنية للشعب السوري، سوف تُلقي بظلالها على المجتمع السوري الجديد.

يعود تاريخ الحماية القانونية للمتلكات الثقافية والأثرية إلى عهد الحرب الأهلية الأميركية، وذلك بموجب (قانون ليبير) لعام 1863، الذي نصّ على وجوب حماية هذه الممتلكات وعدم استهدافها من قبل المتحاربين. وقد جرى تطويرها لاحقًا وإدماجها في (اتفاقية لاهاي) لعام 1907، التي تنصّ على أنّه “يجب اتخاذ جميع الخطوات اللازمة لحماية المواقع والمقارّ المخصصة للدين، والعلوم، والآثار التاريخية”. وجرت بعد الحرب العالمية الثانية المصادقة على (اتفاقية لاهاي) لحماية الممتلكات الثقافية لعام 1954 (مع بروتوكولها الثاني عام 1990) التي أنشأت نظامًا للحماية العالمية للمتلكات الثقافية، يقوم على الاعتراف بالأهمية العالمية للتراث الثقافي، ومن ثمّ تعزّزت؛ بعد التوقيع على اتفاقية حماية التراث العالمي الثقافي والطبيعي لعام 1972. وعلى الرغم من وضع هذه المعايير الدولية لحماية التراث الثقافي في العالم، فإنّها لا تتضمن أي آلية يُمكن من خلالها اعتبار الأفراد أو الدول مسؤولين قانونيًا عن الانتهاكات المرتكبة في حق المواقع.

في السياق ذاته، ينصّ نظام روما الأساسي لمحكمة الجنايات الدولية لعام 1998 على أهمية حماية التراث المشترك، لكنّه لا يؤكد على حمايتها، بموجب نصّ محدّد. حيث إنّ الاختصاص القضائي للمحكمة يتيح لها محاكمة الهجمات المنهجية التي تستهدف المدنيين على نطاق واسع. ويجادل فقهاء القانون في إمكانية أن تشمل جريمة الاضطهاد (التي تُعدّ جريمة ضدّ الإنسانية)، العمليات التي من شأنها تدمير التراث التاريخي. وقد أقرّت عدّة محاكم، منها محكمة يوغوسلافيا السابقة، بأنّ عمليات تدمير التراث الإنساني تندرج ضمن جريمة الاضطهاد ضدّ الإنسانية، وذلك استنادًا إلى نظام روما الأساسي الذي يتضمن تعريفًا واسعًا ومحددًا للاضطهاد، بشأن نهب الممتلكات الثقافية القائم على التمييز، أي “لأسباب سياسية أو عرفية أو قومية أو إثنية أو ثقافية أو دينية، أو متعلقة بنوع الجنس”. كما ينصّ النظام الأساسي على اعتبار الجرائم المرتكبة ضدّ التراث الإنساني جرائمَ حرب: “إلحاق تدمير واسع النطاق بالممتلكات، والاستيلاء عليها من دون أن تكون هناك ضرورة عسكرية تبرّر ذلك”. ومع ذلك، فإنّ القيود المفروضة على الملاحقة القضائية لأركان النظام السوري أو الأطراف المتحاربة الأخرى، أمام محكمة الجنايات الدولية، تجعل النظام الأساسي حتى الآن عديم الجدوى، في ملاحقة المتهمين بتدمير التراث الثقافي السوري.

يدعو برنامج الباحثين الزائرين الدوليين في مركز حرمون (IVRPH) المجتمعَ الدولي إلى تعزيز مبادئ القانون الدولي، بشأن حماية التراث الثقافي من أعمال التدمير والنهب، وتحديد الآليات المناسبة التي يمكن من خلالها مقاضاة الذين يتعمّدون استهداف وتدمير المواقع التاريخية والأثرية والثقافية. كما يدعو البرنامج جميع الأطراف المتحاربة في سورية إلى الامتناع عن استهداف المواقع الثقافية والتاريخية، وتجنّب نهب أو تدمير مواقع التراث، من منطلق حماية الهوية الوطنية السورية والحفاظ عليها بعد الحرب.

 

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

إغلاق