هموم ثقافية

لعبة الخديعة بالصورة

 

ما عاد يكتفي الإعلام المستبد الفاشي بإخفاء الحقيقة، ومنع الإعلام الحر، بل بدأ يوظف جيشًا من المزورين للصورة، ولما يجري على أرض الواقع. ما عاد يكتفي بإخفاء الحقيقة؛ بل أصبح محترفًا بتزويرها وتغييرها وتضليل الرأي العام، وبالتالي خلق قاعدة بيانات صورية لتزوير التاريخ بعد أجيال قادمة. يقوم بتزوير الحقائق عبر الصور، بشكل مكشوف، ثم ينسب هذه الصور الملفقة إلى خصومه.

لقد عملت الفاشيات -تاريخيًا- على دعم وزارة الدعاية و”البروباغندا” المضللة، بل اخترعتها من أجل إخفاء جرائمها، وخلط الحقيقي مع الزائف؛ كي يبقى الجمهور في حيرة، وكي يجدوا لمؤيديهم الذرائع بالدفاع عن جرائمهم.

استخدموا آخر ما توصلت إليه التكنولوجيا، وجيوشًا من المخادعين والمحترفين الإلكترونيين؛ ليجعلوا الناس في متاهة للتغطية على جرائمهم، تمامًا كما يفعل الإرهاب: يستخدم العلم ومنتجاته في مكافحة الفكر العلمي ذاته، والإغراق في الخرافة.

أصبح مكشوفًا أن يقوم الجيش الإلكتروني الأسدي، بتصنيع صور على برنامج “فوتوشوب”، بشكل رديء، ونشرها على أنها من ضحايا الغوطة، ثم يتابع نشرها مؤيدو النظام، تحت عنوان “شوفوا التلفيق”! وكل ذلك لتعمية الرأي العام عن المحرقة التي ارتكبها النظام وحلفاؤه في الغوطة وغيرها. ومن المؤسف أن معظم مَن يروج ويدافع عن هذا النظام، هم مَن يرزحون تحت وطأة الاحتلالات المختلفة، ويطالبون بالحرية والعدالة والاستقلال.. هنا جوهر التشويه الذي يطرأ على فكرة روح المناضل! ليصبح مؤيدًا للفاشية، تمامًا كما فعل العرب الإقطاعيين والقوميين في تأييد هتلر، قبيل الحرب العالمية الثانية وأثنائها.

مذابح الغوطة لا تحتاج إلى فبركة، ولا تحتاج إلى إثباتها بصورة عابرة فوتوغرافية، صُنعت خصيصًا للترويج. إن استشهاد الناس لا يحتاج إلى فبركة رديئة، وقد ثبت -علميًا- أن أكثر الناس تخلفًا في التكنولوجيا هم مَن يدعون التقدمية.. (تقدمي بسلخ الحكي، ورجعي بالعلم ولعبة الفاشيات الهزيلة)!

محطة (الميادين) لن تمنح شهادات وطنية، والادعاء بمقاومة الاحتلال الإسرائيلي لن يمنح الوطنية، لقد كان لنا يومًا مواقف جريئة من النظام الفاشي في تل الزعتر.. وحرب المخيمات في لبنان.. وتخريب “منظمة التحرير” وتشتيتها وشرذمتها من قبل النظام الفاشي السوري، لقد وقفنا مع حركات التحرر في تشيلي وأثيوبيا ومعظم المعمورة، ونعجز الآن، بكل صفاقة، عن فهم ما يجري في سورية والتحالفات القذرة في تدميرها وتشريد شعبها.

سأكون يومًا ما عاجزًا عن تفسير وتبرير موقف من يدعي التقدمية، على هذا الموقف التاريخي المزري، مما يجري في سورية. منذ عشرين عامًا، وبوش وحواشيه يصدعون رؤوسنا بالإرهاب، والآن يمارس النظام الفاشي السوري الأسطوانة المشروخة نفسها، بينما يموت الشعب ببطء، بجرائم حرب وقتل جماعي عشوائي، لم يسبق له نظير في التاريخ الحدث، وربما القديم.

صنعوا الإرهاب ووضعوه ذريعة؛ كي يلعبوا لعبة تاريخية قذرة، في منع التغيير والتقدم وخلط الأوراق في بلادنا، لكن المؤسف أن من يدعون ويطالبون بالتقدم والاستقلال والحرية هم أشد أعداء هذا التغيير. ما عاد ينفع أن أضلل العالم بالموقف من الاحتلال الإسرائيلي، وأنا أمارس على شعبي ظلمًا أشد منه.

ليس غريبًا أن كل من ادّعى هذا الموقف ورفع هذه الراية، هو تلك الدول التي ذبحت شعبها، واستبدّت وشيدت السجون وأصبحت دولًا فاشلة، لقد أرادوا مقايضة موقف زائف من الاحتلال، بقضايا عادلة في الأوطان. لا نريد شيئًا سوى احترام الموت والأشلاء في الغوطة وغيرها؛ كي نُبقي للأجيال القادمة شيئًا يصدقونه من مبادئنا.

إن اليسار العربي الزائف يرتكب حماقة وجريمة تاريخية، من خلال ترويج الصور الزائفة واللعب بها، وقد استخدم جماهيره البائسة ليخفي جريمة تاريخية وقعت، وما زالت تقع، على شعب، ذنبه الوحيد أنه طالب بالحرية والكرامة.

أخطر ما في الصورة الزائفة عن الموت أنها ستكون يومًا ما، ذريعة للهروب من التاريخ القادم ومحاسبة المجرمين، جريمة مزدوجة للحاضر والتاريخ.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

إغلاق