قضايا المجتمع

شكرًا “أبو مروان”

 

رغم الجريمة البشعة التي ارتكبتَها بحق أطفالك قبل زوجتك، وبحق نفسك، وبحق المجتمع، أراني أَجِد ثغرة لأشكرك من زاوية أن النقطة السوداء ضرورية، لنرى نصوع البياض.

انتقلنا -السوريين- من كراجات البرامكة والعباسيين، حيث كان الطفل بائع الجرائد يصيح: “جريمة اليوم جريمة اليوم”، فنتهافت لشراء الجريدة، إلى “الفضاء الأزرق”، لنتهافت على منشور فيه جريمة دون أن ندفع خمس ليرات ثمن الخبر، رغم أن كل سوري اليوم يعيش وقائع جريمة معلنة، بل كل سوري هو ضحية بشكل من الأشكال لجريمة، إلا أنه ما زال لدينا الشهيّة لنتداول خبرًا جديدًا عن جريمة جديدة، ولدينا نهمٌ لأن نُمارس دور الأنبياء والأولياء والحكماء والفلاسفة.

شكرًا، أبا مروان، فكيف كان لنا أن نرى كل هذا البياض، وكل تلك المقالات الشاجبة والمُنددة، وكل هذه السيول الجارفة من الفضيلة والأخلاق التي اجتاحت صفحات مواقع التواصل الاجتماعي؟

ألا تعلم، يا أبا مروان، أنه كان عليك، منذ أن غادرت “باب الحارة” ووصلت “بلاد الفرنجة”، أن تخلع شاربيك وشروالك وعقالك، وعقلك الذي أبدع المجتمعُ والحكومات وخطباء الجمعة المتعاقبين على حشوه بكل أنواع العلم والمعرفة، ومجمع الفتح ومجمع النور اللذان أخذا على عاتقيهما حشو عقلك بالفضيلة، برعاية مباركة من قيادة مؤمنة حكيمة، وأن تنسى آلاف الأفلام السينمائية ومئات المسرحيات والمحاضرات في المراكز الثقافية، كان عليك -يا أبا مروان- أن تقرأ مؤلفات غوته، وتنسى حكواتي النوفرة على الحدود الألمانية، قبل الولوج إلى بلاد “الجيرمان”.

نعم، جميعنا اليوم قضاة ومدعون عامون، ونُطالب بإنزال أقصى العقوبات بحق المجرم أبي مروان، هكذا وبكل بساطة وسهولة تناسينا أننا جميعًا جزء من الجريمة، وأن جريمة أبي مروان كانت تحدث يوميًا في سورية، ولكن بعضنا، لأسباب طبقية، لم يكن يسمع بجرائمنا الصغيرة نحن أبناء العشوائيات والمخيمات وأطراف المدن. الجميع اليوم لا يريد أن يعرف أن زواجنا كان قرارًا عائليًا مجتمعيًا ولَم يكن قرارًا فرديًا، ذكورًا وإناثًا، وأن العائلة والحارة والمجتمع كلهم كانوا يحشرون أنوفهم في اختيار العريس، ولهم رأي بالرفض والقبول، اليوم يتبرأ المجتمع من كل جرائمه، وهو الذي كان ينظر إلى المطلقة على أنها كائن غير مرغوب فيه، فاضطرت عشرات آلاف الزوجات إلى القبول بزواج المساكنة، حيث يتحول الزوجان إلى أخوين حفاظًا على السمعة وعلى العائلة، ألم يتكئ هذا المجتمع إلى حديث ضعيف: (إن أبغض الحلال عند الله الطلاق)؟ فأجبر الزوجين على التآخي، ألم يجتمع رجال الحارة على رجلٍ ليقنعوه بعدم الطلاق (حرام خليها فوق روس أولادها)؛ فتحولت من زوجة إلى خادمة ومربّية.

حقيقةً، أستغرب استغراب الآخرين للجريمة، على بشاعتها، فاستغرابهم يشي بأنهم لم يكونوا يعيشون في المجتمع الذي عاش فيه أبو مروان، ولَم ينهلوا من المعين الثقافي الذي نهل منه، وأنهم أقوام أكثر انفتاحًا من الرجل، وأنهم غير مسؤولين عن الجريمة، فلذلك يسارعون إلى إدانة الفاعل ليغسلوا أيديهم ويريحوا ضمائرهم.

أنا لست قاضيًا، ولست مدعيًا عامًا، ولست محامي دفاع عن أبي مروان، ولدي الجرأة الكافية لأن أعترف بأنني -بشكل من الأشكال- جزء من الجريمة، لأن المجرم جزء من مجتمع أنتمي إليه، وأعترف بأنني لَم أقم بما هو كاف، لمنع هذه الجريمة وغيرها، وأنتم، أيها السيدات والسادة، مَن قدّم منكم يومًا خدمةً للمجتمع، للنهوض به معرفيًا واجتماعيًا وتوعويًا؛ فليرفع يده وليقدّم دليله.

أيها السيدات والسادة، اخلعوا عنكم ثياب القضاة وارتدوا القمصان المقلمة.. تواضعوا كي تستطيعوا رؤية المشكلة واستنباط الحل، وحاولوا أن تؤسسوا لمجتمع جديد، في المنافي والداخل على حد سواء، اتركوا الحرية لأبنائكم باختيار الأزواج، ولا تنظروا إلى المطلقة بعين الاحتقار، شكّلوا الجمعيات الأهلية في الخارج، اجتمعوا وتكاتفوا وتساعدوا على تذليل العقبات، واتركوا خلفكم جدران الطبقية والمناطقية والقبلية حتى يتم القضاء على أبي مروان جديد محتمل بينكم، فأبو مروان هو نتاجنا جميعًا، نتاج مجتمعنا وثقافتنا وعاداتنا وتقاليدنا، ولَم يأت من الفضاء الخارجي، ودون ذلك؛ سنبقى جميعًا موزعين بين مجرم وضحية.

الوسوم

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

إغلاق