سورية الآن

سورية.. مشكلة أميركية

 

«لقد مات جائعاً. إنه لم يأكل. على الأقل سيكون لديه طعام في الجنة الآن». عذاب أم ثكلى في مكان قصي يدعى الغوطة الشرقية في سوريا. لقد بكت. وكل ما كان تستطيع فعله هو البكاء. لم يكن لديها شيء لتطعمه إياه. وفي عالم يبدو أنه يرمي من الطعام قدر ما يستهلك، فإن هذا الولد الصغير، الذي كان يعيش في تلك البلدة المقصوفة التي تبعد بعشرين دقيقة عن دمشق، مات جوعاً.
ولكن تلك سوريا، قد يقول قائل؛ بلد آخر في الشرق الأوسط حيث يتقاتل الناس ويموتون باستمرار؛ وحيث القنابل تسقط مثل المطر من السماء لدرجة لم يعد معها الناس ربما يجدون مكاناً ليدفنوا فيه موتاهم.
ولكن ما علاقة ذلك بنا – نحن الأميركيين؟ فلدينا ما يكفينا من المشاكل هنا أصلاً، قد يقول قائل. والحق أن ذلك لن يكون مجانباً للحقيقة، لأن لدينا الكثير لنقلق بشأنه بالفعل. غير أنه على الأقل، المليشيات المسلحة لا تتجول في شوارعنا على نحو ما تفعله هناك. ونحن لا نعيش في خوف من سقوط القنابل والنابالم والأسلحة الكيمياوية على منازلنا. كما أننا لسنا محرومين من الغذاء والدواء. ولا نضطر للحفر بين الأنقاض لإيجاد أبنائنا أو والدتنا أو ذاك الجار الذي يسكن آخر الشارع.
ولكن صحيح، الناس هنا – في أميركا – يموتون قبل الوقت. فهم يقضون في المدارس، وفي قاعات السينما، وفي الحفلات الموسيقية، وفي المراقص. ويموتون في الشوارع المعتمة وفي الأزقة. ويموتون بين أيدي أشخاص ليسوا مسلحين بالقنابل اليدوية والأحزمة المتفجرة، ولكن بالمسدسات والبنادق والسكاكين والأفيون.
أجل، لدينا الكثير لنقلق بشأنه: إيجار الشهر المقبل. نتائج الفحوصات الطبية. السخرية. الهجر. القلب المفطور. البيت الخالي. حياة بلا حب.
والمكان الوحيد الذي لا توجد فيه مشاكل هو المكان الذي لا يعيش فيه أحد، كما كان يقول أحد أساتذتي.
ولكن، لنعد إلى ذلك الولد الصغير في الغوطة. إنه لم يفعل أي شيء لأي أحد. فهو أكثر براءة من أن يكره، وأصغر من أن يؤذي أحداً، وأضعف من أن يعيش. «لقد مات جائعاً»، تقول والدته بصوت تخنقه العبرات.
لقد قالت تلك الكلمات في بلد ألقت فيها الولايات المتحدة أكثر من 7.7 مليار دولار من المساعدات الإنسانية ومئات الملايين من المساعدات المباشرة للمعارضة السورية. وسواء كانت تلك الأم تعرف ذلك أم لا، فإنها اليوم تتقاسم بلدها مع ألفي جندي أميركي. وبالتالي، فإن ما يحدث لها ولبلدتها المنكوبة وللابن الذي شيعته له علاقة بالفعل بنا.
فنحن هنا في واشنطن طالبنا بتنحي الرئيس السوري بشار الأسد عن السلطة. ونحن هنا في واشنطن، وضعنا، تحت الرئيس باراك أوباما، قوات من «وكالة الاستخبارات المركزية» على الميدان في 2013 لتدريب ثوار سوريين معتدلين معارضين للأسد، ثم سرعان ما قمنا بسحبهم – على نحو أسرّ روسيا – في عهد الرئيس دونالد ترامب. وإذا كان البرنامج في عهد أوباما محل سخرية على نطاق واسع باعتباره غير ناجع، فإن لا أحد كان يرغب في إنهائه أكثر من فلاديمير بوتين.
وقد أكد مسؤولون أميركيون مؤخراً أنهم يعتزمون مواصلة السيطرة على نحو 28 في المئة من الأراضي السورية، بشراكة مع قوات سوريا الديمقراطية الكردية. «ولكن تلك المخططات تتعارض على نحو متزايد مع اللاعبين الدوليين الرئيسيين الآخرين في البلد الذي تمزقه الحرب»، كما كتب جونثان سباير في مجلة «فورين أفيرز». لتتواصل المذبحة.
والواقع أن الأمور ليست أفضل للولايات المتحدة في أفغانستان، حيث نخوض حربا بدأت منذ قرابة 17 عاماً وناهزت كلفتها 1 تريليون دولار. والنتيجة حتى الآن: قوة من «طالبان المعارضة تبسط سيطرتها على أجزاء واسعة من البلاد؛ ومزيد من القوات الأميركية في طريقها إلى هناك.
وعلى غرار حالنا في سوريا، فنحن أمام مشكلة كبيرة.
وعليه، فعندما تتمكن قصص هجمات مميتة في بعض المناطق البعيدة من الشرق الأوسط من فرض نفسها وإيجاد مكان لها وسط زحمة الأخبار، فرجاء لا تغيّروا القناة.
وثقوا بي: إننا لسنا متفرجين. فبعض الحطام هو حطامنا أيضاً، تماماً مثلما أن ذلك الولد كان ولدنا أيضاً، من الناحية الإنسانية.
“على الأقل، سيكون لديه طعام في الجنة الآن”، بعد أن حوِّلت حياته إلى جحيم على الأرض.

(*) كاتب أميركي

Author

مقالات ذات صلة

إغلاق