تحقيقات وتقارير سياسية

لماذا الصمت الشعبي العربي عما يجري في الغوطة؟

 

تسود ساحات الشعوب العربية حالة من “الصمت المُقلق”، حيال ما يجري في غوطة دمشق الشرقية، التي تباد بسكانها المدنيين، في الحملة العسكرية التي يشنها النظام ومن معه من إيرانيين وروس.

يقول الباحث الفلسطيني والأستاذ الجامعي أحمد نسيم برقاوي: إن “جريمة الغوطة التي تنفذها الجماعة الحاكمة وإيران وروسيا والميليشيات الطائفية تنتمي إلى طقوس الجرائم المتعددة التي ارتُكبت في حلب وبلداتها وإدلب وقراها وداريّا والمعضمية وغيرها. وقد تمّ تنفيذ جميع الجرائم، في ظل جعجعة عالمية بلا طحن، وصمت للمجتمع المدني والشعبي العربي والأوروبي والأميركي”.

أضاف، خلال حديث مع (جيرون): “المجتمعات العربية إما أنها تعيش المشكلات التي نتجت عن ثورات الربيع العربي وانهيار الدكتاتوريين واستيقاظ الهويات المتناقضة، كما هو الحال في ليبيا وتونس ومصر وليبيا، (وانشغال العراق بالحروب المحلية بعد الاحتلال الأميركي)، وبالتالي، فإن انشغالها بشؤونها أنساها شؤون الآخرين، أو أنها بلدان لا تعرف بالأصل طقوس أنشطة المجتمعات المدنية والسياسية، وبالتالي هي ليست في شرط تاريخي يؤهلها لمثل هذه الأنشطة”.

عدّ برقاوي أن “استيقاظ الضمير الأوروبي والأميركي وضمير بعض الدول العربية، أمام الجريمة التي تُرتكب بحق أهل الغوطة، إذا لم يتعين بسياسة فاعلة على الأرض بدعم من دول عربية؛ فلن يكون له معنى، سوى معنى واحد وهو: أنت أيها السوري، يا مَن ثرت من أجل حريتك وكرامتك، يقع عليك أمر الكفاح والمواجهة مع أدوات القتل والتدمير. يقع عليك وحدك أمر تقرير مصيرك”.

من جهة ثانية، قال الكاتب الأحوازي ومدير قناة (المحمّرة) صباح الموسوي، في حديث لـ (جيرون): “بالنسبة إلى موقف شعوب الأمة من هذه الجريمة (جريمة قتل المدنيين في الغوطة)، فإننا ندرك تمامًا أنها شعوب مغلوبة على أمرها، وهي تئن من وطأة الاستبداد”، وعقّب: “لكن على الرغم من ذلك، فشعوب الأمة قدمت الكثير من المساعدة والعون، وهي مستعدة لأن تقدم المزيد، لو أتيح لها المجال. ولكن قوى الاستبداد تمنع شعوب الأمة من النصرة الكاملة لأهلنا في سورية عامة، وفي الغوطة خاصة”.

وأوضح: “لقد تم إغلاق الكثير من الجمعيات الخيرية التي كانت تقدم العون لأهلنا في سورية، وهذا الاستبداد جزء من منظومة التآمر على الأمة وعلى الشعب السوري. والعالم الغربي هو المسؤول الأول، فلولاه؛ لما تجرأت إيران على كل هذا الإرهاب، ولما تجرأت روسيا على إجرامها، ولما بقي بشار وعصاباته كل هذه المدة في الحكم، يقتل النساء والأطفال والشيوخ بمختلف الأسلحة السامة وغير السامة. إن أهل الغوطة ضحية تآمر كبير يستهدف الأمة بأكملها”.

الباحث اللبناني فضيل حمود رأى أن “أسباب لامبالاة شعوبنا العربية، أمام إبادة ومحرقة الغوطة الشرقية وشعبها الأعزل المحاصر، وقبلها أهالي حلب وغيرهم، متعددة ومختلفة من بلد عربي لآخر. الشعوب اليوم في حالة صراع بقاءٍ يُرثى لها في اليمن والعراق وليبيا”، مضيفًا: “استطاعت أنظمة الاستبداد إعادةَ الشعوب إلى مربع الخوف والقدرية والاستسلام لواقع القهر والاستعباد، بعد انتفاضة الشعوب عام 2011، وأعادتهم إلى قبول معادلة الأمن والاستقرار النسبي، مقابل الصمت المطبق والخضوع. وهذا ما حصل بشكل خاص في مصر”.

أضاف لـ (جيرون): “استطاع نظام الإجرام في دمشق -تدريجيًا- مع حلفائه في الداخل والخارج، تسويقَ مقولات التضليل لشعوبنا: (حرب ضد تكفيريين، حماية الأقليات، المقاومة..) خصوصًا في المغرب العربي. ساعدته في ذلك النخب عامة والقوى القومية، ولا سيما اليسارية التي خانت في غالبيتها قضايا شعوبنا، بوقوفها معه ومع رديفه السيسي في القاهرة.

أشار حمود أيضًا إلى “دور الإعلام المتضافر في الاتجاه نفسه، في تغييب الوعي، والسعي لتغيير إدراك شعوبنا العربية لحقيقة الصراع في عمقه ونتائجه عليها، وإيهام الشعوب بأن كارثة العصر الإنسانية لشعبنا السوري ستطالهم. للأسف الشديد، لا أرى في المدى المنظور صحوة شعبية عربية من أجل وقف الإبادة بحق شعبنا السوري؛ طالما أن المستبد (السيسي) وأمثاله يتسلطون، ويتحكمون في شعوبنا المغلوبة على أمرها”.

أما الكاتب والسياسي اللبناني عبد الناصر طه، فرأى أن “التغيير الديموغرافي يجري في سورية على قدم وساق… الغريب أنه يحصل تحت أنظار الأمة العربية التي غابت عن الفعل، وأصبحت في حال دفاع مستميت عن وجودها، لأنها تتعرض للخطر تباعًا، دولة بعد دولة”.

قال طه لـ (جيرون): إن “سر الصمت المريع لدى الشعوب العربية، تجاه مجازر الغوطة التي يندى لها جبين الإنسانية، مردّه إلى أسبابٍ عديدة، أبرزها انشغال الشعوب العربية بمآسيها نتيجة الحروب الداخلية، في كلٍ من سورية واليمن والعراق ومصر، وغيرها بنسب متفاوتة، على أكثر من صعيد، وأيضًا تصوير الحروب آنفة الذكر، وكأنها حرب بين الاستقرار والإرهاب؛ ما أدّى إلى اختلاط المفاهيم، عند المواطن العربي، وفقدان القدرة على التمييز بين ما هو وطني أو عميل، وكذلك غياب دور مصر، كقوة أساسية وأولى، وانكفاؤها إلى الصفوف الخلفية، بعدما رهنت دورها وتاريخها لمساعدات مالية، تنتظرها من بعض دول الخليج العربي، في ظل نظام فاسد غارق في الظلم والظلام”.

أضاف: “لا ننسى قوة الإعلام العربي والعالمي التدميرية المدعومة بأموال خليجية، لتشويه صورة المعارضة الحقيقية للأنظمة الحاكمة المستبدة، وإبراز دور القوى الطائفية والمذهبية؛ ما يمنع قيام أي قوة شعبية عربية في المدى المنظور، وبالتالي مداهنة أكثر الدول العربية -إن لم نقل كلّها- للاحتلالين الروسي والأميركي لأجزاء من سورية، وهذا ما سمح للروس بالتمادي في الإجرام، منذ تدمير حلب، مرورًا بالأرياف السورية، ومؤخرًا في الغوطة”.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

إغلاق