تحقيقات وتقارير سياسية

ثورة آذار وحركة شباط وخبث الطاغية

يمرّ الزمن طويلًا، وقد ينسى الناس، ولا سيّما الأجيال الجديدة، بعضَ صفحات التاريخ التي تركت آثارها في مسيرة سورية، والحاضرة بقوة، حتى اليوم، في حياتنا السياسية.

يعود الزمن إلى حركة الثامن من آذار/ مارس 1963، ذلك الانقلاب العسكري الذي أنهى حكم الانفصال، تحت رايات إعادة الوحدة السورية المصرية، حيث كان التحالف ثلاثي الأطراف: الضباط البعثيون والناصريون والمستقلون الذين احتلوا الواجهة، باعتبارهم يحملون رتبًا عسكرية أعلى.

ذلك التحالف الهش لم يصمد طويلًا، فبعد نجاح الانقلاب بأيام، وبدء ما يُعرف بمباحثات الوحدة الثلاثية بين مصر وسورية والعراق -التي كان البعث يحكمها- ظهر الخلاف جليًا بين البعثيين والناصريين، وبين البعث وعبد الناصر.

كان الناصريون يُصرّون على إعادة الوحدة الاندماجية فورًا، ويعتبرون أن الانفصال ليس سوى مؤامرة، وحالة طارئة، بينما يتوقف البعثيون، عند تلك التجربة مطالبين بتقييمها وعدم تكرار الأخطاء التي قامت عليها وظهرت فيها، إن كان لجهة حلّ الأحزاب، أو بروز تفاوتات قطرية يجب أخذها بالحسبان، أو لطبيعة النظام الفردي، وبالتالي البدء بوحدة اتحادية متدرّجة، وكان عبد الناصر حذرًا في التعامل مع البعثيين الذين انفضّوا من الشراكة، كما يعتقد، وقاموا بتوجيه انتقادات كبيرة إليه وإلى نظام حكمه، ويعدّهم من العوامل المساعدة لقيام الانفصال، وهو يخشى وجودهم في قطرين مهمين، لذلك كان أقرب إلى التريّث، فكان “ميثاق 17 نيسان/ أبريل” محاولة التفافية لاحتواء الضغط الشعبي، في وقتٍ كان الناصريون يعِدون لانقلاب تمّ تنفيذه صباح 18 تموز/ يوليو 1963، وانتهى بالفشل، وبجملة من الضحايا، والإعدامات، وانفكاك عرى ذلك التحالف، واشتعال الصراع بين البعث وعبد الناصر.

كانت النتيجة استفراد البعث بالحكم المحتمي بالعسكر البعثيين الذين قادوا المرحلة، عبر “اللجنة العسكرية” التي كان من أبرز أعضائها محمد عمران وصلاح جديد وحافظ الأسد وعبد الكريم الجندي وأحمد المير، ثم إضافة أعداد أخرى إليها، وهي التي كانت تحتفظ بكثير من الانتقادات للقيادة التاريخية الممثلة بالأساتذة الثلاث: ميشيل عفلق وصلاح البيطار وأكرم الحوراني، الذين افترقوا بعد قيام الانفصال، وعودة البيطار إلى الحزب، ومن أبرز تلك الانتقادات، الموافقة على حلّ الحزب استجابة لشروط عبد الناصر لإقامة الوحدة، ومجموعة تراكمية من الأخطاء التي كانت تضخّم، وتنتشر في الوسط الحزبي حتى بين المؤيدين والأنصار والأعضاء.

على خلفية سقوط حكم البعث في العراق، وتحميل القيادة التاريخية المسؤولية، ثم الصراع مع الجناح اليساري الذي وصف بالتطرف والمراهقة السياسية، وفصله من الحزب في المؤتمر القومي السابع، باتفاق بين أعضاء اللجنة العسكرية والقيادة التاريخية؛ برز الخلاف من جديد بين القيادة القطرية التي يوجد فيها العدد المهم من اللجنة العسكرية، باستثناء محمد عمران الذي اصطفّ مع القيادة التاريخية، واتخذ هذه المرة شكل صراعٍ، بين اليمين واليسار الذي كان فضفاضًا وعامًا، وإقدام القيادة القومية على حلّ القيادة القطرية المنتخبة، ورفض عقد مؤتمر قطري، أو قومي لمعالجة الخلاف؛ ما أعطى القيادة القطرية المبررات الكافية للقيام بانقلاب عسكري صبيحة 23 شباط/ فبراير، وحسم الصراع لصالحها، وتكريس انشقاق كبير في الحزب، ترسّم، وتموضع أكثر، بعد وصول البعثيين في العراق بقيادة الثنائي أحمد حسن البكر وصدام حسين، في 18 – 30 تموز/ يوليو 1968، واكتساب الشرعية من القيادة التاريخية.

في حركة 23 شباط/ فبراير، أظهر حافظ الأسد، المرفّع استثنائيًا إلى رتبة لواء، نوعًا من التردد في الموافقة على الحركة بتلك الطريقة، ويُقال إنه كان مُخادعًا، ويضع قدَمًا فيها وأخرى خارجها، وإن ذلك التردد لم يكن سوى تكتيك خبيث منه، ليبقى محتفظًا بمنصب قائد الطيران والدفاع الجوي، إلى جانب تكليفه كوزير للدفاع بالوكالة، والذي تحوّل إلى مهمة ثابتة.

قضايا اليمين واليسار في العالم الثالث حالة اختلاطية، حسب البنى الطبقية المتداخلة، وانتساب الأغلبية إلى الطبقة الوسطى أو البرجوازية الصغيرة، مثلما كان التأثر بالنظام السوفيتي والاقتراب منه، ومن الماركسية، يعدّ من أبرز عوامل التصنيف، في حين أن الذهن المحافظ الذي كان يقف ضد تطوير أفكار وبرامج الحزب عُدّ كجناح يميني تُكال له الاتهامات الثقيلة، والتي طالت بشدّة مؤسس الحزب ميشيل عفلق، وبعض السمات الأبوية التي اتصف بها، في تعامله مع الحزب ومساره، بينما كانت أوضاع الحكم، والتطورات الداخلية والخارجية، كطبيعة الصراع العالمي، والانقسام إلى معسكرين، تتطلب مواكبة نظرية بمستوى الحاجات والطموحات، وتشكل بيئة مناسبة لصراعات فكرية لم تكن صافية تمامًا، فاختلطت بكثير غيرها مما يحمله الأشخاص من بيئاتهم وثقافتهم ومؤثراتها فيهم، بما في ذلك الانتماءات الدينية والمذهبية والعشائرية والجهوية وغيرها.

حين حلّت هزيمة حزيران/ يونيو المروّعة؛ تداعت جميع الشعارات والمقولات عن بناء الحزب الثوري، وعن اليسار، والشرعية الثورية، وأنبتت الهزيمة مفاعيلها القوية، داخل قيادة 23 شباط/ فبراير، وفي الحكم، وكانت أكثر بروزًا في المؤسسة العسكرية، حين أظهرت الحرب تخاذل وهروب العديد من الضباط، وترك قطعاتهم، بما أفسح المجال لاتهامات ثقيلة تتجاوز التقصير والتخاذل إلى تهم بالخيانة، وتسليم الجولان، وسط أجواء مشبعة بالتشكيك، وإلقاء المسؤولية على هذه الجهة أو تلك، خاصة القيادة العسكرية التي تتحمل المسؤولية المباشرة عن الهزيمة ومسارات الحرب.

فشل “الاجتماع المشترك” الذي يعدّ أعلى قيادة في الحزب، في تغيير القيادة العسكرية ممثلة بوزير الدفاع ورئيس الأركان على الخصوص، ومحاسبة المقصرين والهاربين والمتخاذلين، في ما اعتُبر -رسميًا- الانعطافة الكبرى لوزير الدفاع، باتجاه إيجاد تكتل خاص من الضباط المتخاذلين والطائفيين، لحماية وجوده، ومواجهة القيادة بهم، وقد نجح في تجميع الكثير، وتشكيل قوة ضاربة، ومنافسة راحت تتصرف خارج القرارات المتخذة بصلاحيات نقل الضباط وتعييناتهم، وترقياتهم.. حتى كان ما يُعرف بـ “الازدواجية”: أي وجود قوتين متصارعتين داخل الحكم، تتمثلان بالقيادة الحزبية من جهة، ووزير الدفاع ورئيس الأركان الذي عيّن بديلًا لرئيس الأركان السابق اللواء أحمد سويداني الذي صفيّ من الحزب، بتهم التآمر لقلب نظام الحكم، من جهة أخرى.

في حين استعر الخلاف بين النظامين اللذين يرفعان رايات البعث، في كل من العراق وسورية، واستخدما فيه شتى أنواع التهم، ومحاولات الإضعاف والعمل على تقويض حكم الآخر، كان حافظ الأسد يعدّ العدّة لانقلاب شامل، لا علاقة له بكل شعارات اليسار والبعث، لتأسيس نظام خاص، فردي شمولي عائلي طائفي، مستفيدًا من وجود تموضعات طائفية قوية في الجيش، ومن مجموعة الضباط الذين تخاذلوا في الحرب وبعض المدنيين المتضررين من خط القيادة الحزبية، وهم الذين شكلوا الأداة الضاربة للقيام بانقلاب تشرين الثاني/ نوفمبر 1970 المعروف بـ “الحركة التصحيحية”.

بعض المحللين، والناقمين على القيادة البعثية في سورية، يرون أن حركة 23 شباط/ فبراير فرشت الطريق بشكل مباشر، أو من حيث النتيجة، لصعود الطاغية حافظ الأسد، وتحطيم البعث وتشويهه، وركوبه بشكل يؤدي إلى تجويفه تمامًا، وتمريغه في الرشا والفساد والتطويف، في الوقت الذي تؤكد فيه الوقائع أن الأسد لم يكن يومًا يؤمن بالبعث كحزب له رسالة ومبادئ، بل كان يستخدمه مطية وغطاء لتثبيت حكمه، وخلط الأوراق.

هنا، وبغض النظر عن الأخطاء، ومنسوب الوعي في قيادة 23 شباط/ فبراير، فقد كان جلها مؤمن ببناء حزب ثوري ينفذ مبادئ وشعارات الحزب، ولو بطريقة أحادية، وشمولية، وعبر استبدال نظام الحريات العامة والفردية بآخر معلّب، ومستورد يقوم على ما يعرف بـ “الديمقراطية الشعبية”، عبر إقامة منظمات تابعة للحزب، بينما لم يكن هذا من اهتمامات الأسد، الذي كان يرى الحزب الوسيلةَ لتحقيق مشروعه الخاص، مع إعلان الاستعداد للمقايضة بكافة القضايا الوطنية والقومية، مقابل البقاء، والحفاظ على دوره التخريبي في سورية، وعلى صعيد الصراع مع الكيان الصهيوني، وإزاء قضايا الأمة الاستراتيجية.

لعل قصة التوريث تكشف بعضًا من ذلك التركيب الخبيث للطاغية، وإهالة التراب عمليًا على الحزب وشعاراته المرفوعة، وعلى أسس الجمهورية، والخطوط الفاصلة بين الدولة والحكم، حين قام بإدماج النظام بالدولة، وتنصيب نفسه ثم وريثه من بعده، بموقع الفرد مطلق الصلاحيات، بكل الآثار الناجمة عن ذلك على صعيد المجتمع السوري، وموقع ودور سورية، وصولًا إلى مجابهة حراك الشعب المطالب بالحرية بالقتل والإفناء.

…..

تعريف: لعل قصة التوريث تكشف بعضًا من ذلك التركيب الخبيث للطاغية، وإهالة التراب عمليًا على الحزب وشعاراته المرفوعة، وعلى أسس الجمهورية، والخطوط الفاصلة بين الدولة والحكم.

 

Author

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق