تحقيقات وتقارير سياسية

خيارات روسية صعبة في جنوب سورية

 

قبل أن تنتهي معركة الغوطة الشرقية في محافظة ريف دمشق، أرسلت سلطة بشار إشارات، عن استعدادها لفتح معركة جنوب غرب سورية، في محافظتي درعا وريفها، ومحافظة القنيطرة التي تتصل بغرب محافظة درعا أيضًا. وهو ما جاء عبر الإعلان عن بدء التحشيد العسكري لقوات بشار الأسد وحلفائها من الميليشيات الإيرانية الطائفية الفاشية، وعبر بعض عمليات القصف المدفعي والصاروخي والجوي، على مواقع للمسلحين المعارضين هناك.

يمكن رؤية هذه المحاولة، للتوجه نحو جنوب غرب سورية، ضمن احتمالات عدة، استراتيجية وتكتيكية. فعلى الصعيد الاستراتيجي، تحاول الطغمة الفاشية الحاكمة في دمشق توسيع رقعة سيطرتها على الأراضي السورية، وسحق المعارضة فيها، ومعها ما يدعى “البيئة الحاضنة للثورة”، غير أن هذه المنطقة، التي تخضع لما يسمّى “مناطق وقف التصعيد”، ذات تعقيد بالغ، وتختلف عن المعارك الجارية في الغوطة؛ فالأطراف المعنية بالجنوب والغرب السوري (الأردن وإسرائيل وأميركا) ليس من السهل مواجهتها، في معركة تهدد المصالح الأمنية لتلك الأطراف، كما أن فتح المعركة، في تلك الجغرافيا السياسية والأمنية، يحتاج إلى موافقة روسية، ومشاركة أيضًا من سلاح الجو الروسي، كما حصل في حلب والغوطة.

وعلى الأرجح أن يكون التلويح بإمكانية فتح هذه المعركة مجرد محاولة تكتيكية، هدفها إيقاف الضغط السياسي والإعلامي والدبلوماسي، الذي يواجهه التحالف المعادي للشعب السوري، على خلفية المذابح التي يرتكبونها في الغوطة، وما تبينه من مشروع اقتلاع ديموغرافي لسكان مدنها وبلداتها، بذريعة القضاء على “الإرهاب”، ولإرباك التوجهات الأميركية والدولية، التي أخذت تلوح بتجاوز مجلس الأمن، إن بقيت المنظمة الدولية عاجزة عن تنفيذ الهدنة المقررة. وهو ما عبّر عنه أكثر من مسؤول أميركي بعبارة: “سنضطر إلى التصرف منفردين”؛ الأمر الذي تفهمه روسيا، ومعها بشار وطهران وأذنابهما، كرسالة بالاستعداد لتنفيذ عمل عسكري لفرض الهدنة، ووقف جريمة ذبح الغوطة واجتثاث سكانها. وتمتلك واشنطن أكثر من وسيلة عسكرية للتأثير في مجرى المعارك -إن أرادت- من ضمنها تزويد المعارضة المسلحة بمضادات نوعية للطيران الحربي.

أما أن تكون الإشارات، إلى إمكانية فتح معركة جنوب غرب سورية، تستهدف استطلاع الموقف الأميركي – الإسرائيلي، دون الحصول على ضوء أخضر من قاعدة حميميم، فسيترتب عليه أزمة جديدة للدور الروسي في سورية، في وقتٍ تتعرض فيه موسكو لانتقادات دولية شديدة، بسبب خرق قرار مجلس الأمن بشأن الهدنة في الغوطة الشرقية. ولقد سارع قادة عسكريون في قاعدة حميميم، إلى الإعلان عن عدم علمهم بما قام به طيران جيش بشار في طلعاته الأخيرة، وقصفه مواقع المسلحين المعارضين، في مناطق من محافظة درعا، التي شملتها اتفاقات ما يسمى “خفض التصعيد والتوتر”، بينها وبين كل من واشنطن والمملكة الأردنية، بالتنسيق مع “إسرائيل”. فإذا كان الروس غير موافقين على فتح معركة جنوب سورية، التي باشرتها قوات تابعة للأسد؛ فستكون دبلوماسية موسكو ودورها في سورية أمام إرباك جديد، يضيف أعباءً هي في غنى عنها، وتصبح أمام امتحان جديد صعب، يضاف إلى الأعباء التي وقعت عليها، في تداعيات الصراعات المعقدة، خلال الشهور الأخيرة.

لقد انصب الجهد الروسي، السياسي والعسكري والدبلوماسي، على السعي للتحكم بمسارات الوضع السوري والحلول المطروحة لتناقضاته، وكان الفشل واضحًا، عندما باتت أستانا وسوتشي في مهب الرياح. وعادت أفكار مؤتمر جنيف لتحظى بالدعم الدولي، بالضد من إرادة موسكو، على الرغم من ادعاءاتها أن أستانا وسوتشي ليستا بديلًا لجنيف. وفي ما يسمى “اتفاقات وقف التصعيد”، حاولت موسكو إرضاء أطراف متناقضة؛ لإظهار قدرتها على الإمساك بمفاصل الأزمة السورية، لتكون المرجعية المقبولة من الجميع، ومنهم قوى المعارضة السورية. حاولت موسكو أن تضع يدًا بيد طهران، واليد الأخرى بيد “إسرائيل”، وانكشف وهم هذه المحاولة، كما أنها جربت أن تمد جسورها مع “قوات حماية الشعب” الكردية، إلى جانب انفتاحها الواسع على أنقرة، فكانت معركة عفرين خسارة لها بين صفوف الأكراد، ولم تقطف ثمار تقاربها مع أنقرة، فها هي العلاقات التركية الأميركية تتحسن بشكل سريع، وموسكو تفشل في الورقتين: الكردية والتركية. وسبق ذلك فشل موسكو في كسب ثقة المعارضة السورية، خلال سوتشي، التي راهنت موسكو على قطف ثمارها أمام المجتمع الدولي. وتأتي معركة جنوب غرب سورية لتضع روسيا قبالة امتحان صعب، بل أشد تعقيدًا من الامتحانات السابقة.

في جنوب غرب سورية، إن تصاعدت عمليات قوات بشار وطهران وميليشياتها، ضد القوى المسلحة المعارضة للسلطة؛ فسيكون موقف موسكو صعبًا للغاية، وهي التي تفاهمت مع نتنياهو على وضع الحدود السورية الإسرائيلية، وعلى حق “إسرائيل” في حماية “أمنها” في تلك المساحة. والطرف الأردني الذي شارك في رعاية “اتفاق خفض التصعيد” في جنوب سورية، لحماية حدوده من التوغل الإيراني، الذي يراه الأردن مساسًا بوجوده، لن يكون راضيًا عن موسكو، إن هي دعمت خطة طهران وبشار، لاستعادة السيطرة على المنطقة الحدودية. يضاف إلى ذلك أن واشنطن تعتبر تلك المساحة امتدادًا للحدود المشتركة السورية العراقية الأردنية، وبالتأكيد، فإن واشنطن التي ترفع من مستوى تحذيرها من الخطر الإيراني في المنطقة، لن تتردد في اتخاذ الموقف الحاسم من محاولة طهران وسلطة بشار استعادة السيطرة هناك، فالجنوب الغربي لسورية يختلف عن معركة الغوطة الشرقية بتأثيراته، وبما يترتب عليه من نتائج تَفرض على مختلف الأطراف، ومنها موسكو، إعادةَ ترتيب مواقفها بناءً على الخيارات المطروحة، وفق مصالح الأطراف الأكثر فاعلية، وبمعنى أوضح، بين الطرفين الإيراني من جهة، والإسرائيلي الأميركي من الجهة الثانية، ومعهما الأردن الذي تحرص موسكو على علاقة غير متوترة معه.

على ذلك؛ يمكن القول إن موسكو لا تحتمل اختبارًا معقدًا في جنوب غرب سورية، وإذا كانت عملية التصعيد من قبل سلطة بشار وطهران تتم بعلم قاعدة حميميم؛ فعلى الأغلب أنها ستكون تكتيكية، هدفها خلط الأوراق، والتستر على ما ترتكبه قواتها في الغوطة الشرقية، وسوى ذلك، إن كانت طهران وأداتها، سلطة بشار، يقومان بالتصعيد في الجنوب لحساباتهما الخاصة؛ فإن الارتدادات المتوقعة ستضع موسكو أمام خيار صعب، إن تبنّت ذلك التصعيد، والنتيجة ذاتها، وإن تخلت عن دعم اللعبة الإيرانية هناك، فسيكون بدء الافتراق عن التحالف الوطيد بين موسكو وطهران، في الحرب السورية.

 

مقالات ذات صلة

إغلاق