ترجمات

المرحلة الجديدة في شرق أوسط ما بعد عفرين

أظهر الدخول إلى مركز مدينة عفرين في اليوم الثامن والخمسين من عملية (غصن الزيتون) التي انطلقت في 20 كانون الثاني/ يناير، النجاحَ الذي حققته القوات المسلحة التركية، والقوة التي وصلت إليها، بكل جوانبها.

الاستراتيجية الدفاعية التي حاول التنظيم الإرهابي (الذي تم تجهيزه بانتهاز فرصة الحرب الأهلية الدائرة في سورية، بأحدث أنظمة الأسلحة من الجيل الجديد) تطويرَها عبر المنشآت التي قام ببنائها؛ كالملاجئ والخنادق التي بدأ فيها من المناطق الريفية، والتحصينات الخراسانية التي تلقى المساعدة في موضوع إنشائها من بعض الدول، لم تستطع الصمود أمام القدرة العسكرية للقوات المسلحة التركية.

وبلا ريب؛ كان لهذا التقدم ولهذه القوة الضاربة الأثر الكبير والمهم في ترك قيادات التنظيم (الذي بدأ بالانحسار نحو مركز المدينة) وعناصره مدينة عفرين تمامًا. ذلك أن الأرقام التي سيقت، في الأيام الأولى من بدء العملية، حول مجموع عدد الإرهابيين الموجودين في عفرين، كانت مختلفة وتشير إلى وجود ما يقارب من ثمانية إلى اثنا عشر ألفًا منهم.

وكون عدد من تمّ تحييدهم من الإرهابيين قد بلغ حتى الآن ما يقارب 3700 عنصر تقريبًا، فذلك يشير إلى أن الباقين إما هم اختلطوا بالمدنيين في عفرين، أو أنهم فرّوا نهائيًا إلى خارج المدينة.

ومما لا شك فيه، أن هذا النجاح الذي تمّ تحقيقه في عفرين، كان هزيمة كبيرة لتنظيم PKK/PYD المتواجد في مناطق مختلفة من أنحاء سورية، ويسعى إلى إنشاء كيانات على طراز كانتونات في اعتقاده، وهزيمة لمن يدعمه ويسانده في الوقت نفسه أيضًا.

ذلك بأنه، بعد تشييد التحصينات القوية، وتلقيه تعزيزات إضافية بإرسال المزيد من العناصر المدربة في سورية إليه في المنطقة، كانت الفكرة والاعتقاد بفشل عملية (غصن الزيتون)، على رأس وسائل الحملات الدعائية التي استخدمها تنظيم PKK/PYD الإرهابي.

والأكثر من ذلك كان التنظيم الإرهابي يأمل بتلقي المزيد من الدعم من دول على رأسها الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي، كلّما طالت العملية، وكان يظنّ بهذا المعنى، ممارسة المزيد من الضغط على تركيا.

وعلى الرغم من صدور بعض التصريحات الرسمية، بين الحين والآخر في هذا الخصوص، فإن الموقف التركي الحازم في هذا الصدد، قد بدّد هذ الضغط، وكشف عن عزم تركيا، عدم التراجع عن القرار المُتّخذ بهذا الشأن.

وإلى جانب ذلك؛ فإن التنظيم الذي لم يتمكن من الحصول على ما كان يأمله من دول الغرب، ولقي المعاملة نفسها من روسيا أيضًا، اضطر إلى التعاون مع نظام الأسد والدخول في مساومات معه، وبادر إلى نقل الشراكة بعد ذلك إلى عفرين. حتى إن بعض الفصائل المسلحة والمقربة من النظام، شوهدت في المواقع نفسها مع إرهابيي PKK/PYD، غير أن استهداف القوات المسلحة التركية لهذه الفصائل مع الإرهابيين على السواء، كان السبب في تراجع النظام واتخاذه خطوات إلى الوراء.

وعليه؛ فإن تنظيم PKK/PYD الذي لم يستطع إثبات وجوده أمام الجيش السوري الحر ÖSO المؤيد من القوات المسلحة التركية TSK، في عفرين، لن يستطيع أن يثبت في المناطق الواقعة في القسم الشرقي من نهر الفرات، وعلى رأسها منبج، أي وجود أيضًا.

هذه الحقيقة تم إدراكها بصورة واضحة وصريحة، خاصة من قبل الدول التي تتواجد وما زالت تواصل دعمها لتنظيم PKK/PYD في سورية. وبالطبع، تأتي الولايات المتحدة الأميركية على رأس الدول التي ترى هذه الحقيقة.

لأن تركيا تواصل من جانبها الإعلان على كافة المستويات بأن العملية التي تمّ تنفيذها في عفرين، لن تكون الأخيرة، ولن تكون مقتصرة عليها، وأنها تهدف إلى فتح ساحة واسعة النطاق، في باقي مناطق الإرهاب في سورية، وقد تشمل العراق أيضًا.

وكان وزير الخارجية الأميركية المقال ريكس تيلرسون قد قام، في غضون هذه المرحلة، وبناءً على توجيهات خاصة من الرئيس ترامب، بزيارة إلى تركيا، أجرى خلالها محادثات استغرقت ثلاث ساعات ونصف مع كل من رئيس الجمهورية أردوغان ووزير الخارجية مولود جاويش أوغلو. وفي أعقاب هذه اللقاءات؛ أعلن الطرفان عن العمل معًا في سورية والعراق، بعد إيجاد الآليات المشتركة اللازمة فيما يتعلق بتنظيم PKK/PYD.

وكان الوفد التركي قد أعلن من جانبه أنه أجرى، في الأسابيع المنصرمة، زيارة إلى الولايات المتحدة، لبحث الآليات المشتركة المعلن عنها، والعديد من القضايا وفي مقدمتها وجود تنظيم PKK/PYD في منبج. وأنه تم التوافق على قضايا عدة حول المضي معًا في سورية.

ولكن في الأيام التي كان سيتم فيها مواصلة المباحثات والاستعداد لتبادل وجهات النظر بين الطرفين، أقيل ريكس تيلرسون من منصبه، ليحل محله مدير CIA مايك بومبيو، الأمر الذي أثار بطبيعة الحال، العديد من التساؤلات في الأذهان من وجهة نظر تركيا. لأن وزارة الخارجية الأميركية أعلنت وبالرغم من السير الإيجابي للمحادثات، عدم التوقيع على أي مذكرة مع تركيا.

ازدادت الشبهات حول الموضوع أكثر، بعد الزيارة التي قام بها ولي العهد السعودي محمد، إلى الولايات المتحدة؛ لأن المعنى الذي حمّلته الولايات المتحدة، بالنظر إلى موضوع الزيارة، يسوق مقدمات ويظهر دلائل حول توجه الولايات المتحدة في سياستها الشرق أوسطية، إلى البدء بمرحلة وتطبيق سياسات جديدة فيها.

ثمّ إن وجهة نظر بومبيو المعهودة باعتبار كل من إيران و(حزب الله) والإخوان المسلمين في الخندق المعادي، وتبني نظام المملكة العربية السعودية لوجهة النظر نفسها، تظهر قيام الولايات المتحدة باللعب على حسابات المراوغة، وإلهاء تركيا في المسألة السورية. ذلك بأن ما يدور ويحدث في سورية، ليس جزءًا من عملية تطور يجري بشكل مستقل عن المنافسات الشديدة والتحديات الجديدة التي تظهر في الشرق الأوسط.

وبينما تسعى الولايات المتحدة الأميركية لتأسيس شبكة إقليمية جديدة من دول، بينها (إسرائيل) والعربية السعودية ومصر والأردن والإمارات العربية المتحدة، فإن حسابات هذه الشبكة: العسكرية والاقتصادية والسياسية التي تعتمد على الطاقة، تعطي الإشارة إلى تغطية كل المنطقة الواقعة بين البحر الأحمر والخليج العربي، وكذلك تمام البقعة الواقعة بين شرقي البحر الأبيض والمحيط الهندي.

ومن أجل الوصول إلى الغاية المرجوّة من الحسابات التي يتم تنفيذها في المسار نفسه، فإن المغامرة حتى بدخول حرب مع إيران وتنظيمات (حزب الله) والإخوان المسلمين هي من الأهداف الكبرى المطروحة أيضًا.

إن عدم محاولة الولايات المتحدة الأميركية الرجوع عن قرارها، فيما يتعلق بالقدس الذي سيشعل كل منطقة الشرق الأوسط، وإعلانها فتح سفارتها في شهر أيار/ مايو، وإبداءها استعدادًا لتقديم الإمكانات التكنولوجية للعربية السعودية من أجل إنتاج القنبلة النووية، وكذلك الاتفاقات بين (إسرائيل) ومصر حول الغاز الطبيعي، وحسابات إنشاء الدولة الفلسطينية في شبه جزيرة سيناء، بمبادرة من دولة الإمارات العربية المتحدة، كل هذه القضايا كانت من العناوين الرئيسية الثابتة للغايات والأهداف المنظورة حتى الآن.

إضافة إلى ذلك، فإن حقيقة الرغبة الأميركية في استخدام تنظيم PKK/PYD الإرهابي كأداة في مواجهة الفصائل الإيرانية المسلحة في سورية. لم تعد خافية على أحد، وتأتي في مقدمة القضايا الرئيسية التي يتمّ التنبه لها دائمًا، من قبل كل الأوساط تقريبًا، في معرض التفسيرات والتحليلات المتعلقة بالمرحلة المقبلة.

من حيث النتيجة؛ فإن الذين شهدوا في عفرين أن تركيا التي لا تنوي إيقاف تقدمها، بعد العملية الحازمة التي أطلقتها في سورية، يسعون إلى وضع العصي في العجلات لإشغال تركيا وإلهائها، محاولة منهم لإبطائها على الأقل، كسبًا للوقت. ولهذا، فإن عملية مكافحة الإرهاب يجب أن تسير، على عكس حسابات الآخرين، وفق التقويم الذي حدّدته تركيا. ومن الضروري، في خضم هذه الأحداث، أن يتمّ تناول ما يجري في عموم الشرق الأوسط، والحسابات المتزايدة التي تجري في شرقي المتوسط، ومتابعتها بحذر وانتباه.

 

AFRİN SONRASI ORTADOĜU’DAKİ YENİ DÖNEM العنوان الأصلي للمقالة
Yazar: İsmail Özdemir الكاتب: إسماعيل أوزدمير
صحيفة-الشرق الأوسط المصدر وتاريخ النشر: صحيفة-الشرق الأوسط-Ortadoğu 23.03.2018
http://www.ortadogugazetesi.net/makale.php?id=26368

 

الرابط
علي كمخ المترجم:
892 عدد الكلمات: 892

 

Author

مقالات ذات صلة

إغلاق