تحقيقات وتقارير سياسية

فنانو الأسد يدخلون حرستا “فاتحين” مهنئين بـ “التعفيش”

 

لم يتعرض المجتمع السوري -تاريخيًا- إلى نكبة بحجم النكبة التي فرضها عليه نظام الأسد، حيث لم تقتصر على القتل والاعتقال والتشريد، ولا على دمار البيوت، وإنما تعدتها إلى دمار البنية القيمية بين الكثير من شرائح المجتمع، ووصلت إلى داخل الأسرة السورية.

بث إعلام نظام الأسد، يوم أمس الخميس، مشاهد وتقارير لوفدٍ من نقابة الفنانين السوريين، يدخل مدينة حرستا محتفيًا بقوات نظام الأسد، مباركًا ما ارتكبته من فظائع تحت اسم “نصر”، وقفوا يوزعون الضحكات والتحيات هنا وهناك بشكل فاقع، وكأنهم في حفل سيرك، أو في مسلسل هم أبطاله ضمن ديكور افتراضي، لم يحوِ أرواح أهالي تلك البيوت والحارات، الذين كانوا ذات يوم شركاء في وطن افتراضي.

استعرض أولئك الزائرون شخصياتهم “الوازنة” أمام الكاميرات، وأرسلوا بطاقات “الحب” لسيدهم مشاركين معه في الجريمة، من على بقايا البيوت الكئيبة، وشتات ذكريات أصحابها الموزعة بين الدموع والدماء والرعب، وجوع الحصار الذي فرضه نظامهم، إنها الفنتازيا السورية التي أسستها عقود غربة السوريين عن أنفسهم، قبل أي شيء آخر.

وقف هادي بقدونس يطلق العنان لصوت كمانه، وصفق حوله زملاء التصفيق في نقابته “الفنية”، ومنهم مها المصري، وأنطوانيت نجيب، وسحر فوزي، ورنا أبيض، وعارف الطويل، وغيرهم، حيث ارتدى عدد منهم الزي العسكري، في مدينة سبقهم إليها فنيو التفكيك والسطو، الذين دخلوا البيوت بخبرتهم بهدوء أعصاب محاطين بالحماية الفنية العسكرية، وبخفة الفن المتجانس بسورية المتجانسة تم “تعفيشها”، بعد قتل أو تهجير أهلها.

رؤية أولئك “الفنانين” ليست خادشة للنظر والحياء العام، فهذه صورتهم على حقيقتها، وهذا حجمهم، حيث سقف وعيهم الوطني، كما صرّحوا، هو حدود “بوط عسكري”، لكن مسألة “التعفيش” فاقت كل الحدود، حتى وصلت إلى “برلمان نظام الأسد”، الذي قام بالأصل على تعفيش أصوات السوريين وتمثيله الخادع لهم، حيث قال طريف قوطرش أحد أعضائه في جلسة منذ أيام: “نرى مناظر سيئة جدًا على أوتوستراد دمشق- حمص، من مبيع فرش وأشياء أخرى”، ودعا إلى متابعة الموضوع، وهو يدري أن من أعطى التصريح بذلك التعفيش هو نظامه.

إن الحجم الحقيقي للكارثة ليس في أولئك الفنانين المتملقين، بل في الحال التي وصلت إليها السلوكيات في المجتمع السوري. أذكر أننا، عندما كنا صغارًا، سمعنا من الكبار أن من يسرق في الضيعة الصغيرة، كان الأهالي يُركِبونه على حمار بالمقلوب، ليجوب شوارع البلدة والأطفال خلفه، يتحركون ببراءة ويتابعونه ضاحكين، لكن في “سورية الأسد” التي تسير بالمقلوب، منذ سبعينيات القرن الماضي، باشر فيها النظام “تعفيشه” القيم المجتمعية والأخلاق العامة، قبل أي شيء، إذ ساعدته في تثبيت حكمه، باعتماده على شخصيات سياسية وعسكرية وإعلامية واقتصادية بل حتى عشائرية وعائلية وغيرها، هي من أحط ما يمكن أن ينجبه مجتمع، لتمكنه من استباحة كل شيء، بلا وازع أو رادع.

إن موضوع “التعفيش” ليس فعلًا ماديًا فقط في الأوطان، إنما هو سلوك له دلالته على طبيعة الأنظمة وصلاحيتها الوطنية من جهة، والمجتمع وتركيبته من ناحية أخرى، صحيح قد يقول البعض إنها حالة واردة في كل الحروب، منذ القبلية قبل إنشاء الدول حتى الآن، كما يعلل البعض ظهور بعض النصوص الدينية لاحقًا، التي قد تعطيها شرعيتها، لكن هل هي مُسلّمات نهائية، ويجب عدم الغوص في نقدها وتحييدها.

كتبت سلوى زكزك، على صفحتها في (فيسبوك)، منذ يومين، منشورًا قالت فيه: “وماذا يقول الفراش للنائم الجديد عليه، وسيارات التعفيش تسير وحكايا أصحابها تصرخ، تتمهل، هل من صدفة تجمع طفلًا بلعبته أو بوسادته؟”، وأضافت: “التعفيش كسر للنفوس، المعفَش والمعفِش، البدايات تبتعد، دومًا نبدأ من النقطة الخطأ، والشتات سيد الموقف”، وكتبت في هذا الخصوص يوم أمس: “مرة ع أحد عربايات التياب المعفشة، في سيدة لقت جلابيتها، سحبتها وبلشت تنتفها بسنانها، شقفة شقفة، حتى الزرارات قبعتن بسنانها وزتتن عالأرض وتكبس عليهن كأنها عم تزرعن بقلب الأرض، هالزرارات ما بعرف شو ممكن يزهروا بعدين؟”.

إن الحالة التي رافقت دخول ميليشيات قوات نظام الأسد إلى حرستا، ربما هي إكمال للانتقام من الغوطة وأهلها، بعد كل ما جرى، صحيح أن “التعفيش” طال كل المناطق السورية منذ بداية الثورة، لكن مشهد السرقة الذي خرج من حرستا أخيرًا، كان مثيرًا حتى لموالي النظام، حيث طالب بعضهم “رئيسهم” بالتدخل لوقف ذلك، الأمر الذي دفع بعضهم ليبرر، ويقول إن قوات “النمر” سهيل الحسن، هي التي تسرق، كونه هو الذي يقود العمليات في الغوطة الشرقية، وليست قوات بشار الأسد.

نشرت صفحة (مدينة حرستا) على (فيسبوك)، يوم أمس الخميس، منشورًا نقلت فيه عن “موالين” قولهم: “إن المنظر لم يكن كما حصل في بقية المناطق، بل كان مسيئًا جدًا ومنظمًا، ومحميًا من عناصر مسلحة، كما لو أنها خطة ممنهجة لتفريغ حرستا من أي شيء ذي قيمة، حتى بات سعر البراد في ضاحية حرستا نحو 5000 ليرة سورية، وشاشة التلفزيون 2000 ليرة أي ما يقارب 4 دولارات فقط”.

نعم إنها خطة منظّمة كما كل ممارسات هذا النظام، وهدفها أكبر من حالة سرقة، إنه يريد من السارق والبائع والمشتري، أن يتشاركوا الذكريات والتوصيف من داخل بيوتهم، على أنهم لصوص وانتهازيون، وذلك كلما نظروا في موجودات منازلهم التي سيكبر عليها أطفالهم، إنها العادات التي يريدها الأسد أن تدخل في هواء المنازل، ليستمر حكمه المتجانس إلى أطول وقت ممكن، وأن يستمر المنكوب بالبحث عن ذكرياته المسلوبة، وتوقعها في كل بيت أو على كل رصيف، حيث وضع هذا النظام كل الوطن ومقتنياته، على رصيف مرتزقة العالم لتقطيعه وتوزيعه في ولائم الإثم العالمي، ككل ملاهي الحشاشين، تحييها رقصة أولئك الفنانين الذين سبق أن تمايلوا على جراح حمص وحلب وداريا ووادي بردى وغيرها، وهم لا يدركون أن الفجر لا تمنعه زوبعة عابرة، مهما أثقل غبارها العيون وشوّش الرؤية.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

إغلاق