أدب وفنون

سوريون واعدون في المسرح الألماني

يمكننا القول إن حركة مسرحية سورية واعدة تتبلور في مدينة أوسنابروك الألمانية؛ فالإسهام السوري فيها يسير نحو التجذر والتكريس، من حيث نوعية العروض وعدد المشاركين السوريين في مختلف العروض المسرحية التي يزخر بها البرنامج السنوي لمسرح المدينة.

إنجاز لافت وتأسيسي لهذه الحالة حققه المخرج السوري أنيس حمدون، في عرضه المسرحي The Trip (الرحلة) عام 2015، تجلى بالإقبال الواسع على هذا العرض، ونيله جائزة أفضل عرض مسرحي في البلدان الناطقة بالألمانية: ألمانيا، النمسا، سويسرا.

 

ربما تكون هذه الحالة وتلك الجائزة المحفز الأساس لإدارة مسرح المدينة، كي تعمق وتوسع استقطابها للمواهب السورية الوافدة إليها حديثًا، عبر إدماجها في الخطط السنوية لعروض المسرح الأوسنابروكي، لتحقيق غايتين: تطعيم الحركة المسرحية بهذه الطاقات الجديدة وثقافتها ومنظورها للحياة، والمساهمة في إدماج عموم السوريين في نسيج المجتمع الألماني من بوابة المسرح.

في الموسمين التاليين لموسم عام 2015، شاركت سماء محمود بعدة عروض مسرحية منها (DIE) لموسم عام 2015 – 2016 وكذلك مسرحية URBAN PRAYERS (صلاة العصر) التي حملت عنوانًا فرعيًا هو (Nach Babel – und noch weiter) (إلى بابل وأكثر) في موسم العام الماضي، ومسرحية Sein oder Sein lassen  (أكون أو لا أكون) لـ شكسبير.

المشاركة السورية الأبرز في الموسم الحالي كانت للعمل المسرحي DER HAUPTMANN (النقيب) المقتبس من نص مسرحي للكاتب الألماني Carl Zuckmayer كُتب عام 1906، وتم تجسيده مسرحيًا لأول مرة عام 1931.

الاقتباس الجديد لهذا النص يجسده مجموعة من الممثلين السوريين اللاجئين، وفق رؤية إخراجية جديدة، قام بها مخرج العمل Jakob Fedler بالاشتراك مع كل من  Marie Senf & Sven Kleine.

اللغة المستخدمة في العرض تتناوب بين الألمانية والعربية، وذلك وفق إيقاع فرضته الحلول الإخراجية التي وضعها المخرج، كي يسقط النص الألماني على واقع ومعاناة اللاجئين الجدد إلى ألمانيا، هربًا من القمع والحرب.

يتقاطع النص الأصلي مع واقع القادمين الجدد، وفق ما قدمه العرض في نقطتين جوهريتين هما أن الأحداث تدور في مناخ تهكمي على الدكتاتورية والبيروقراطية اللتين تحرمان كلًا من البطل، في النص الأصلي، واللاجئ في العرض المقتبس عنه، من حقوقه، وتعيقان حصوله على أوراق ثبوتية “هوية أو جواز سفر” ضرورية، كي يكون له مركز قانوني لدى الدولة، وبالتالي الحصول على حقوقه الأخرى، كحق العمل وسواه.

تدور أحداث النص الأصلي في ضاحية من ضواحي برلين، في زمن القيصرية، حيث يرتكب إسكافي جريمة يسجن على إثرها 15 سنة، ويُحرم من حقوقه المدنية، ويجرّد من الجنسية والأوراق الثبوتية؛ ما يعني بالضرورة عجزه عن إيجاد عمل، ويدخل البطل في حلقة مفرغة، لها قطبان: العمل يحتاج إلى هوية أو جواز سفر، والحصول على هذه الهوية يتطلب عملًا يدر دخلًا مناسبًا كي يرشو بعض الموظفين، لهذا يُقدم البطل على إنجاز حله الخاص؛ إذ يعمد إلى شراء لباس عسكري لضابط من متجر يبيع الألبسة المستعملة، وينتحل شخصية ضابط؛ ما يمكنه، بسبب سطوة اللباس وهيبته في نفوس الناس، من تجميع عدد منهم تحت قيادته، والتوجه برفقتهم إلى مبنى البلدية، على أمل الحصول على أوراقه الثبوتية المجرد منها. أثناء احتلال مبنى البلدية يتم اعتقال العمدة وجميع الموظفين، والسطو على خزنة البلدية ومصادرة ما فيها من أموال؛ ما يخلق اضطرابًا يضطر فرق مكافحة الشغب إلى التدخل واعتقال البطل ومن معه.

نهاية القصة تكون سعيدة بالنسبة إلى البطل؛ إذ يقوم صحفي بالكتابة عن الحادثة، ويقرأ القيصر ما كتبه هذا الصحفي، فيطلب استدعاء البطل ومقابلته، ويأمر بمنحه الأوراق الثبوتية التي يحتاج إليها، بقرار ملكي.

يتضمن العرض المستند إلى هذه القصة، رواية كل شخصية تلعب دورًا في المسرحية، قصتها الخاصة، من زاوية الأسباب التي دفعت الشخصية إلى طلب اللجوء، ومعاناتها، ووصفًا لتجربة الوصول إلى ألمانيا، ونظرة الشخصية وتوقعاتها لمستقبلها في البلد الجديد، لينتهي السرد عند الهم المركزي لهذه الشخصية، المعبر عنه بالسؤال: هل أبقى في ألمانيا أم لا؟

هذا العرض لفت انتباه قطاع واسع من الجمهورين الألماني والسوري، بسبب براعة الحلول الإخراجية للمخرج، وسوية الأداء غير المتوقعة لممثلين هواة أولًا، ومستجدين على اللغة الألمانية ثانيًا، ليس بينهم إلا محترف واحد (الممثل المسرحي السوري أحمد كوكي، خريج قسم التمثيل في المعهد العالي للفنون المسرحية).

يمكن لمن يحضر العرض، أن يرى سخرية مرّة من الدكتاتورية والبيروقراطية. كوميديا سوداء تدفع النظارة إلى الضحك حينًا ومقاومة البكاء حينًا آخر، وتتيح للجالس في مواجهة الخشبة رؤية مزيج مركب -أيضًا- من الموسيقا والرقص الألمانيين، يتداخلان مع موسيقى ورقص سوريين، تجسيدًا لبحث شخصيات العرض عن هوية جديدة، هوية بالمعنى الواسع، لا تقتصر على أوراق ثبوتية جديدة فقط، بعد أن أجبرت الدكتاتورية هذه الشخصيات على السير في درب اللجوء.

هذا الحضور السوري في مسرح المدينة، على هذا المستوى من الكثافة، والتواتر، ونوعية العروض، يبشر بالمزيد، لجهة تعمق إسهامات السوريين في الحركة المسرحية في ألمانيا عمومًا ومدينة أوسنابروك خصوصًا؛ ويقدّم فرصًا لمواهب سورية، عزّ عليها في وطنها الأصلي التحقق، بسبب احتكار الفرص من قبل مافيات الفساد.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. تنبيه: Dan Helmer
إغلاق