مقالات الرأي

الثورة السورية والمونديال الروسي

تصاعدت الأصوات الداعية إلى مقاطعة كأس العالم المقام في روسيا، منذ مدة من الزمن، احتجاجًا على الإجرام والتكبر والجبروت الروسي في التعامل مع المسألة السورية، حيث تتصرف روسيا في الوضع السوري وكأنها الآمر الناهي، فتصوغ الأخبار، وتُحرّف الحقائق، وتوزع الأراضي والسلطات؛ بما يتوافق مع مصالحها الذاتية التي تؤمنها وتضمنها رؤيتها لحل المسألة السورية. إلا أننا اليوم، بعد انطلاق كأس العالم في روسيا، نلمس غياب أو محدودية حملة مقاطعته؛ حيث غابت التظاهرات والاحتجاجات الشعبية، عند مقار الاتحاد الدولي لكرة القدم –الفيفا- قبل انطلاق المونديال، وكان يفترض بها المطالبة بنقله إلى أي دولة أخرى حتى لو استدعى الأمر تأجيله مثلًا. كما غابت التظاهرات العالمية، ولا سيما في الدول التي نجحت منتخباتها في بلوغ النهائيات، من أجل الضغط على القيادات الرياضية والسياسية الخاصة بهذه الدول، كي تقاطع المشاركة الرياضية في روسيا.

بالإضافة إلى ذلك، فإنه لا يمكننا التعويل على تبلور حركة اجتماعية روسية رافضة لمجمل السياسات الروسية الإجرامية تجاه سورية والسوريين، نظرًا إلى طبيعة النظام الروسي الاستبدادية والديكتاتورية داخليًا وخارجيًا، التي لم ينجح النظام الروسي في إخفائها عنّا وعن العالم، بالرغم من جميع المسرحيات الديمقراطية التي يعمل على تصويرها وإخراجها دوريًا. كما لم تتمكن حملة مقاطعة المونديال الروسي، من ثني أعداد كبيرة من شعوب دول العالم المتقدمة والغنية، عن الذهاب إلى روسيا من أجل متابعته، ولو أنها تمّت؛ لشكّلت ضربة قوية للاقتصاد الروسي الذي يعوّل على استقبال ملايين الدولارات نتيجة للوفود الكبيرة السياحية والرياضية القادمة إلى روسيا، من أجل متابعة المونديال عن قرب، وخصوصًا من الشعوب ميسورة الحال، القادرة على إنفاق آلاف وملايين الدولارات للإقامة والأكل والشرب والتذكارات، وكذلك على الخدمات السياحية الأخرى، ومنها الخدمات غير الأخلاقية، وصولًا إلى تذاكر المباريات، وغيرها الكثير؛ ما يشكل الهدف الحقيقي الكامن خلف سعي أي دولة إلى تنظيم فعاليات عالمية رياضية على أرضها، وعلى رأسها كأس العالم.

على الرغم من غياب الفعاليات الشعبية الداعمة لحملة المقاطعة حتى الآن، فإن الحُكم على مدى نجاح السوريين في استخدام سلاح المقاطعة إجمالًا، من أجل تحرير سورية وتحقيق أهداف ثورتهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية، مبكرٌ جدًا اليوم. فالحملة المعنية بمقاطعة كأس العالم، تعتبر أول حملة سورية جدية يتم تداولها على مستوى كبير إعلاميًا، وتحاول توجيه صفعة قوية إلى إحدى أهم الدول المحتلة لسورية، وأكثرهم تأثيرًا. كما تمثل هذه الدعوات بارقة أمل، كونها تعبّر عن عودة التعويل على حركة ونضال الشعوب، وتراجع نهج انتظار الدعم الخارجي والاعتماد عليه، سواء أكان من أميركا أو تركيا، لصالح العمل على تحفيز وتنظيم الشعب السوري من ناحية، والعمل على كسب ثقة ودعم الشعوب إجمالًا، إقليميًا وعالميًا من ناحية أخرى.

عند التمعن في توقيت انطلاق دعوات مقاطعة المونديال الروسي، وفي مجمل الظروف المحلية والدولية آنذاك؛ ندرك أن تلك الدعوات تهدف إلى إحياء الإيمان بقدرة السوريين على التصدي والمواجهة والدفاع عن أهدافهم وأراضيهم، وبقدرتهم أيضًا على ابتكار وسائل مقاومة وتصدي جديدة، لم يسبق للثورة السورية استخدامها. في حين أن الاستعجال في توقع قطف ثمار النضال السلمي وحملة مقاطعة المونديال الروسي، يُعد ضربًا من الخيال، نظرًا إلى حاجة أي حركة مقاطعة إلى حد أدنى من الاهتمام والمؤازرة والدعم الشعبي المحلي والدولي، وهو ما يتطلب من ناشطي المقاطعة السورية عملًا طويلًا ومضنيًا وشاقًا، يقوم على كشف حجم المظالم والإجرام المرتكب بحقهم وحق سورية، والكشف عن الدول المسؤولة عن كل ما يحصل في سورية اليوم، من انتشار القوى الجهادية والإسلامية المتطرفة، إلى تعدد قوى الاحتلال والاستبداد، وعلى رأسها النظام السوري.

كما أن الاهتمام المنشود يتطلب أيضًا التصدي لجميع قوى الثورة المضادة، وتوحيد الجهود في مواجهتها، أولًا من أجل استعادة روح وخطاب وأهداف الثورة السورية، وثانيًا من أجل التخلص من القوى والجهات التي أضرت بصورة الثورة إقليميًا وعالميًا، حيث يصعب اكتساب تأييد ودعم شعبي عالمي واضح للثورة السورية، في ظل استمرار هيمنة قوى الثورة المضادة وقوى الاستبداد والتخلف، على مجمل المشهد السوري. لذا لا بد من أن تتلاقى الجهود والقوى السورية التي تعمل على استعادة السوريين لثورتهم، مع الجهود الهادفة إلى تطوير أشكال النضال المدني والسلمي، وعلى رأسها حملات المقاطعة السياسية والاقتصادية.

إن النضال الشعبي السلمي، كالمقاطعة أو غيرها من الوسائل، هو نضال تراكمي طويل الأمد، وهو نضال مترابط مع النضال السياسي والثقافي والتنظيمي، ينجح بتكامل هذا النضال وتواصله، تمامًا مثل نموذج نضال جنوب إفريقيا، إبّان المرحلة التي كانت تقبع فيها تحت حكم عنصري، وتمامًا مثل النضال الفلسطيني، الذي نشهد في هذه الأيام تحقيقه لبعض النجاحات الجزئية هنا وهناك، بعد مسار نضالي طويل وشاق. وعلى ذلك؛ لا بد من التريث قبل إطلاق أي أحكام متسرعة على مدى نجاعة هذا الشكل النضالي، كما يجب اعتبار حملات مقاطعة المونديال الروسي بمثابة الصرخة الأولى التي تعبّر عن ضرورة استعادة نبض وحيوية الشعب السوري، وتبحث عن نصير حقيقي للثورة السورية، بدلًا من التعلق بأوهام دعم المجتمع الدولي، الذي يتحمل جزءًا كبيرًا من مسؤولية الوضع السوري الراهن، ولا يكترث بمصير الثورة والسوريين، بقدر اكتراثه لمصالحه الآنية فقط.

بالتالي؛ علينا جميعًا ضمان عدم تحول دعوات مقاطعة المونديال الروسي إلى ردات فعل انفعالية وعاطفية آنية ولحظية عابرة، فلن يكون المونديال أول ولا آخر فرصة يستطيع السوريون استثمارها، من أجل الضغط سلميًا على روسيا أو إيران أو أميركا وغيرها من الدول المحتلة لسورية، أو المسيئة إليها وإلى السوريين. وعلى ذلك؛ فإن العمل على استعادة همم السوريين، وثورتهم، واستقطاب تأييد شعوب العالم لنا، هو مهمة راهنة ومستمرة حتى النجاح في توجيه ضربات قاسية ومتلاحقة، سياسية واقتصادية، إلى جميع الدول التي تحتلّ سورية بشكل مباشر، أو الدول المسؤولة عن حرف الثورة السورية أولًا، وعن تمكين قوى الثورة المضادة من السيطرة على المشهد السوري المعارض ثانيًا، وكذلك عن حماية النظام السوري ودعمه، سياسيًا واقتصاديًا وإعلاميًا وأمنيًا.

مقالات ذات صلة

إغلاق