أدب وفنون

جدلية المثقف والثورة؛ صادق جلال العظم

يُعدّ صادق جلال العظم (دمشق، 1934 – برلين، 2016) من أهم المفكرين العرب المعاصرين، وذلك لمنهجه النقدي الذي امتد إلى مجالات عدة، بينها الفكر الديني في مؤلفه (نقد الفكر الديني 1969)، وتصوره حول ذهنية التحريم وما بعدها في كتابه (ما بعد ذهنية التحريم 1992)، لتمتد أعماله حول تصوره للمادية الجدلية وثنائية الحب العذري/ الشهواني، وغيرها من الإسهامات المختلفة.

مثّل صادق العظم نقطة استثنائية في تاريخ سورية المعاصر، ليس بسبب أعماله الفكرية التي تناول فيها الهواجس النظرية السورية، وإنما باعتباره مفكرًا ساهم في نقاشات (ربيع دمشق)، وناشطًا في (لجان إحياء المجتمع المدني)، ومثقفًا عضويًا ساند ثورة شعبه بكل وضوح ومبدئية، ومساندًا للحرية وناقدًا لجميع أنواع السلطوية. ويتجلى ذلك في مأثوره؛ في ثقافتنا ومجتمعاتنا ما يكفي من العناصر السلطوية والتسلطية والسلبطجية والأبوية، والأبوية المحدثة والثأرية، بما يجعل إعادة إنتاج نظام الاستبداد مجددًا، بصورة أو أخرى، احتمالًا واردًا ومخيفًا.

سنحاول في هذه الورقة الاحتفاء بأحد المفكرين العرب الذي مازج بين النظري والعملي، فكان وفيًا لثورة شعبه، فلا يخلو أي حراك ثوري، سواء أكان ثورة أم تمردًا أم انتفاضة، من حضور المثقفين والنخب الفكرية التي تمثل الإطار المرجعي والموجه لهذه الثورة، ويمكن اعتبار أن المثقف هو ضامن سلمية الثورة، وصادق جلال العظم كان أحدهم.

 

في المثقف، من هو؟

يعتبر مفهوم المثقف من أكثر المفاهيم التي تم تناولها بالنقد والتحميص في التاريخ المعاصر، نظرًا لكون هذا المفهوم في ارتباط دائم بسياقات تاريخية، اجتماعية، أيديولوجية معينة. ويمكن اعتبار تعريف المنظر الإيطالي أنطونيو غرامشي من التعريفات المرجعية، خاصة من خلال التعارض الذي أقامه بين المثقف العضوي والمثقف الشمولي؛ المثقف المرتبط بطبقة معينة، حيث يقوم بتنظيم وظيفتها الاقتصادية، بهدف تحقيق قبول وإجماع الطبقات الأخرى، وذلك من خلال عمله في مختلف الهيئات الثقافية والإعلامية، كالمدارس والجامعات وأجهزة النشر وغيرها. وفي هذا كله تبرز وظيفة العضوِيين “Les Organiques” باعتبارهم “إسمنتًا” يربط البنية الفوقية والتحتية، والمثقف هو من يخوض صراعًا بلا هوادة ضد أي سلطة شمولية، ضد الأصوليين والوصوليين وضد جميع أنواع السلطات، ثقافية كانت أم اجتماعية. في هذا الصدد، يقول صادق جلال العظم، في حوار أجرته معه مجموعة الجمهورية: أهم ما يمكن للمثقفين أن يفعلوه بداية، هو التخلص من شيء اسمه وزارة الثقافة، ومن شيء آخر اسمه وزارة الإعلام.

في الثورة، ما هي؟

يذهب العديد إلى توزيع صفة الثورة حسب الأهواء، بعيدًا كل البعد من الاستيعاب النقدي لحدث فارق يمثل نقلة نوعية من حال إلى آخر، ربما تتشابه الثورة والتمرد والانتفاضة في عفويتها، وفي ذاتيتها أيضًا، لكن لا يمكن لأي شخص سحْب صفة الثورة عما يحدث في سورية. يقر الفيلسوف العظم بهذا، وهو المطلع على التاريخ المعاصر من جهة والمواكب له من جهة أخرى، فحين سئل عما يحدث في سورية، أجاب في معترض حديثه، بمناقشة معيارية لما يحدث فقال: في سنة 1952، نفذ الضباط الأحرار في مصر انقلابًا عسكريًا، أطاح بالحكم الملكي هناك، وسمي الانقلاب (ثورة 23 يوليو). في سنة 1958، نفذ ضباط في الجيش العراقي انقلابًا عسكريًا بقيادة الجنرال عبد الكريم قاسم، أطاح بالحكم الملكي هناك أيضًا، وأصبح اسم الانقلاب (ثورة 14 تموز). وتوالت الانقلابات العسكرية في العراق: انقلاب عسكري في 8 شباط 1963 تحول إلى (ثورة 14 رمضان)، انقلاب إضافي سنة 1968 أصبح (ثورة 17 تموز). وفي سنة 1963، نفذت مجموعة الضباط الريفيين في سورية انقلابًا عسكريًا، استولوا فيه على السلطة المدنية في البلاد وقتها، وأخذ انقلابهم اسم (ثورة 8 آذار) وظهر شيء جديد عربيًا، اسمه مجلس قيادة الثورة. بعد هزيمة الجيوش العربية أمام “إسرائيل” في حرب “الأيام الستة” في حزيران 1967، صعدت المقاومة الفلسطينية المسلحة (الكفاح المسلح) لمقارعة الاحتلال الإسرائيلي الجديد، وسمي ذلك كله “الثورة الفلسطينية”، وشعارها “إنها لثورة حتى النصر”. وفي سنة 1978-1979، قامت هبة شعبية هائلة في إيران أطاحت بحكم الشاه –بقيادة رجال الدين الشيعة- وسميت الحركة كلها “الثورة الإسلامية في إيران”. فإذا جرى العرف العربي، لأكثر من نصف قرن، على تسمية هذه الانقلابات العسكرية كلها، ومعها الكفاح الفلسطيني المسلح والهبة الشعبية الإيرانية بالثورات، فلماذا يبخلون على ما يجترحه الشعب السوري من ملحمة بطولية اليوم في مقارعة الاستبداد والطغيان بلقب “ثورة”؟

لا يقف العظم كذلك في دفاعه عن الثورة السورية من منطلق نتائجها فقط، هو مع الثورة السورية، تأسلمت أو تعلمنت، نجد هذا الموقف عند بعض اليساريين المناهضين للنظام، مثل ياسين الحاج صالح الذي يقر بأن الثورة السورية ليست معصومة. الثورة تخطئ. لكن الثورة ليست خطأ. إنها الصح الأكبر الذي صنعه السوريون منذ نصف قرن. وفي السياق نفسه، يتحدث العظم عن الثورة قائلًا: الثورة السورية هي ثورة، سواء تأسلمت أو “تعلمنت”، هي كاشف أخلاقي وإنساني وثقافي لكل البديهيات القديمة. هي ثورة ضد التبرير والقبول الكاذب لواحد من أكثر الأنظمة الشمولية تفسخًا وعنفًا. كل من هو منخرط في جوهرها لا يخشى منها ولا يخشى عليها. كل من هو جالس على حافتها… سيصيبه الرعب منها. الرعب أصلًا، واحد من أهم سمات الثورات. الثورة السورية هي من أعمق ما قامت به جماعة بشرية في منطقة جغرافية على امتداد العالم. إيقافها مستحيل، ببساطة لأنها نضجت بفعل الزمن، ولا أحد يستطيع إيقاف الزمن. وانا العبد الفقير لله وحرية الإنسان، سأبقى معها… حتى لو التهمتني، حتى لو كنت من ضحاياها… حتى لو دفعت الثمن غاليًا جدًا لا يقل عن حياتي… سأبقى منحازًا لها ما دمت قادرًا على التنفس”.

المثقف والثوري

يمثل صادق العظم، إضافة الى طرابيشي وغيرهم من المفكرين والمثقفين الثوريين، الوجه النقدي والثقافي للثورة السورية، الذي يريد النظام حجبه، صادق العظم الذي رغم كل شيء أخذ مسافة نقدية حتى من الثورة، واعتبر أنه إذا أوصلتنا الثورة، بصورة ما، إلى صناديق الاقتراع، فسأعتبر أن حقي قد وصلني كمواطن. وأن للثورة ضريبة وضريبة التأخر أيضًا، عما سبق للسوريين من تقاعس وتخاذل.

لقد كان العظم من الساعين إلى تفسير الخراب العربي بأدوات عقلانية، والسعي، في موازاة ذلك، إلى إعادة بناء ما تخرب بوسائل عقلانية، وإلى تقويض الوضع السوري وكنسه من أجل سورية أفضل.

رحل العظم وبقيت أفكاره تنير دربنا في غابة الوجود.

مقالات ذات صلة

إغلاق