مقالات الرأي

المونديال كشف عورتنا

انطلق المونديال، فحزمنا حقائبنا نحن -الجمهور العربي- ووضعنا فيها ما تيسر لنا من هزائم وعنصرية وحقد سياسي، وانطلقنا نحن أيضًا باتجاه المونديال، وما إن بدأت الفرق العربية باللعب، حتى بدأنا نتلقى الصفعة تلو الأخرى، وننفّس عن غضبنا بالسخرية والمرارة، وبالطبع اتخذ كل منا زاويته النابعة من السياسة، ليتحول المونديال عندنا إلى معركة بالأسلحة، وقد دفنّا ما يسمى “الروح الرياضية”، وارتحنا.

نعشق الأسماء الكبيرة والعناوين الطنانة التي ترعب سامعها، مع أن محتواها فارغ تمامًا؛ فمنتخباتنا المشاركة في مونديال كأس العالم حملت مفارقة مضحكة: أسماء مرعبة لشدة وقارها، ولكن مفعولها على أرض الملاعب كان مضحكًا في هزالها، فخسرت جميعها في مباراتها الافتتاحية، ولو أن للفراعنة والنسور والأسود لسانًا؛ لنطقوا جميعًا محتجين على استخدام أسمائهم لفرق المنتخبات العربية.

بعيدًا من الأسماء، نبقى في الأداء الهزيل للسعودية التي جاءت هزيمتها مدوية، رغم أن المبالغ التي دُفعت على منتخبها تقدر بملايين الريالات، والسعودية ليست وحيدة في هزالة الأداء، إذ لحقتها تونس والمغرب ومصر، ومُني الجميع بخسارات متوالية، حوّلت الجمهور العربي من محب لكرة القدم إلى ساخر وساخط.

انتقلت المشكلة بين دول الخليج إلى كأس العالم، واشتعلت صفحات التواصل الاجتماعي، بالتشفي بخسارة السعودية من جهة، واتهام القنوات القطرية بإدخال السياسة بالرياضة وعدم الحيادية بالتعامل مع الفرق العربية، ودخلت قضية عدم التصويت للمغرب لاستضافة المونديال القادم إلى الساحة، وفرضت نفسها بقوة واستنزفت قاموس الشتائم.

استنفد الفراعنة ونسور قرطاج والأخضر وأسود أطلس وجمهورهم العربي الشتائم، وتبادل الاتهامات، حتى بدت السياسة هي التي تلعب في ملاعب كرة القدم، وأما أسباب الفشل فلها ألف حكاية وحكاية، أولها التباهي بالمظاهر ومقدار الأموال التي تغدقها بعض الدول على منتخبها، حيث يمكنها أن تشتري لاعبين وأن تمنحهم جنسيات وجوازات سفر مؤقتة، ولكنها أموال ونفقات بلا نتائج حقيقية، فعدم التنظيم وسوء الإدارة يسيطران على الرياضة العربية، كما على بقية المؤسسات والإدارات، ولكن نتائجهما في الرياضة تبدو سريعة وواضحة، وأما النكتة الحقيقية فهي الغرور اللامتناهي الذي يدير العملية الرياضية؛ فكلّ مدرب أو جهاز إداري يبدأ عمله مع اللاعبين، بنسف كل ما كان من سلفه، والبداية من جديد، فلا تراكم خبرات ولا استفادة من التجربة الشخصية الماضية، وتسود فكرة “أنا أفهم وكل من أتى قبلي عكسي”.

ثماني سنوات من الربيع العربي، الثورات والثورات المضادة، مُنينا بهزائم يصعب عدّها، وغرق العالم معنا في الحديث عن الإرهاب والموت واللجوء وعن فشل الثورات واستبداد الحاكم، وعندما بدأ المونديال، اتجه الجمهور العربي إليه بكليّته، على أمل الخروج من الحياة اليومية المليئة بالقهر والفقر، ولكنه بدلًا من ذلك، حمل هزائمه معه وذهب إلى المونديال.

المونديال وضع مرآة جديدة أمامنا، حيث إننا نشجع الفريقَ بناءً على السياسة، ونكره فريقًا آخر لأن حكامه على خلاف مع حكامنا، وأما الحاكم العربي فيصفق لكل ما يُظهر تفوقه على عقول شعبه، واستغلاله لهم حتى في كرة القدم.

مقالات ذات صلة

إغلاق