أدب وفنون

كفاح المرأة في القـصص الكردية القـديـمة

روهات آلاكوم

إذا حلّلنا القصص الكردية التي تحتل فيها قضية المرأة حيزًا كبيرًا بعين النقد؛ رأينا أن المرأة فيها فاعلة، نشطة، في مجالين، من جهة تقف بقوة في وجه الظـلم الذي لحق بها وتناضل ضده، ومن جهة أخرى هي رائدة، مرشدة تهدي الرجل بمعرفتها وحكمتها إلى جادة الصواب، وتسهم في إبداع وخلق صورة المرأة المكافِحة في القصص.

السؤال الذي يطرح نفسه بقوة: هل المرأة تابعة للرجل، أم الرجل تابع للمرأة؟

تبرهن بعض القصص أن المرأة ليست تابعة للرجل دومًا، بل قد تكون العلاقة عكسية، فيمتثل لأمرها.

من المعلوم أن المرأة موكـلة في المنزل بأعمال لا حصر لها، ليس فقط داخل المنزل بل خارجه أيضًا، فهي منشغلة دومًا، لذا فصبرها بلا حدود. حين يتشاجر الرجل وزوجته في قصة (الرجال لا يصبحون ربات بيوت)، يتأمر عليها: لمَ لمْ يُعد العشاء؟ هنا، تطلب منه المرأة تبادل الأدوار، يقوم هو بتدبير شؤون الدار، بينما تذهب الزوجة للعمل في الحقل. عندما تعود مساءً، ترى ما قد حل بالدار من فوضى عارمة، يندم زوجها على فعلته ويعود إلى حقله في اليوم التالي[1].

نلتقي في قصة (قرخساجليه)[2] بامرأة مكافِحة تجوب الدنيا، تصادف في رحلتها صنوفًا من الرجال، منهم من يطلبها للزواج، ومنهم من يتحرش بها محاولًا النيل من أنوثتها، لكنها، في كل مرة، وبطريقة ما، تنقذ نفسها من براثن أولئك الأشخاص. تلتقي مرة بحاكم له من الزوجات تسع وثلاثون، ويرغب في جعلها الزوجة الأربعين، لكنها تخدعه وتفر مع زوجاته التسع والثلاثين. هذه المرة تلتقي في طريقها، بأربعين رجلًا يودون الزواج بأربعين امرأة، لكنها، بمساعدة صديقاتها، تشن عليهم هجومًا وتبيدهم عن بكرة أبيهم، وتمضي وصديقاتها في طريقهن، لا يلوين على شيء. يصِلن إلى مملكة قد مات ملكها، وحسب أعرافهم فإن الشخص الذي يحط الطـير على رأسه يصبح الملك. وما أن يُلقون بالطائر حتى يحط من فوره على رأس (قرخساجليه)، وتصبح ملكة لتلك البلاد، بينما تعين صديقاتها التسع والثلاثين كوزيرات يساعدنها في إدارة شؤون المملكة، وتشكـل مجلسًا يقتصر على النساء فقط.

أخيرًا، تقوم بمحاكمة أولئك الأشخاص الذين اعترضوا طريقها سابقًا، محاولين النيل منها، كل حسب جرمه، ثم تفرق بين المذنب والبريء[3]. تـُثبت قصة (قرخساجليه) أن بوسع المرأة فعل المستحيل، فها هن ينجحْنَ ويحرزْنَ الانتصار تلو الآخر.

نلتقي في بعض القصص بشخصية المرأة التي تواجه أعداءها، تنتصر عليهم، وتحقق مرادها، تنجز أعمالها بعزة وإباء[4]. قصص أخرى أيضًا تثبت أن بوسع المرأة أن تكيد للرجل كيدًا عظيمًا، ترقصه على أصابعها، كما في قصتيْ (الزوجة العنيدة)[5] و(الأسماك البرية)[6] نجد زوجة من هذا الصنف، تستطيع إقناع زوجها الذي يصدقها بأن بوسع الأسماك العيش في الحقول. يبلغ عناد المرأة أحيانًا إلى حد، يقف الموت أمامه مكتوف الأيدي. فعندما يصمم هذا الصنف على فعل شيء، فمن الصعب جدًا ردعهن عنه، ولنا أنْ نصنـفهن أيضًا في قائمة النساء العنيدات.

تشاهد امرأة وزوجها يومًا، أرنبًا يجري في الحقل. يقول الزوج: كان هذا أرنبًا، تقول الزوجة: بل كان ثعلبًا، وتبوء كل محاولات الزوج في إقناعها بأن ما رأوه كان أرنبًا ولم يكن ثعلبًا بالفشل، حتى يصل به الأمر إلى حفر قبر لها، ربما لترهيبها للعدول عن رأيها، ومع ذلك تصر على رأيها: بل كان ثعلبًا[7]…!.

إن المصاعب التي تعترض طريق العشاق لا تقف حائلًا بينهم وبين ما يصبون إليه من آمال ورغبات، بل يتجاوزونها، وتنتهي القصة بالسعادة والهناء، وخاصة المرأة التي لا تلين عزيمتها في وجه هذه المصاعب، بل تبقى فاعلة دومًا، تهزأ بأشد العواصف.

في بعض القصص، تغطـي المرأة رأسها بشيء من أحشاء الحيوانات، تبدل سحنتها لتبدو على هيئة شخص أصلع. إنهن يجربْنَ كل الإمكانات، فقط، كي لا يغدَوْن مصدر شك وريبة. أن موضوع المرأة الصلعاء، يطلعنا على حيوية المرأة ونشاطها،  وفاعليتها.[8]

في خضم هذا الكفاح، ومحاولات الخلاص تلك، تتجلـى لنا بعض القوى القصصية التي تكون حاضرة دومًا لنجدة العشاق، ومساعدتهم، مثل: السجادة، البساط الطائر، طائر السيمر، العصا السحرية، ابنة أو زوجة العفريت[9]. نلاحظ مدى قوة هذا التعاضد، والأخوة والصداقة التي تربط بين أبطال القصة وهذه القِوى، التي تتغلـب في النهاية على ذلك العفريت القوي، ذي الروح والأبواب الفولاذية السبعة التي لا تشفع له في شيء، فنرى كيف يخلـص “ميرزا مَمود” الفتاة الحلوة (ذات الأربعين ضفيرة) من يده، ويحقق لها أمنيتها. إنه مخلـص النساء المظلومات الأكثر شهرة وصيتًا في القصص الكردية. نلاحظ أنه في نهاية كل قصة تطير بشارة الفرح والنجاة مسرعة إلى الآباء والأمهات، ونستطيع القول: ثمة بهجة كبيرة وفرح غامر تـُختتم بهما كل قصة[10].

في قصة (يوسف عازف الطنبور)، بعد محاولات كثيرة، تُنقذ الفتاة “گـُلبارين”[11] من بين براثن ذي الروح الفولاذية على يد حبيبها يوسف، ولأن الضرب لا ينفع في قتله، تـُنتزع منه روحه، ليبقى بلا روح ويموت، وتبقى “گـُلبارين” من نصيب يوسف[12].

في قصة أخرى، تُنقذ فتاة أخرى اسمها “بلبل هزار” [13]. وهكذا تُنقذ الفتيات الثلاث (ذات الأربعين ضفيرة، وگـُلبارين، وبلبل هزار) من أيدي العفاريت والجان، ويحققن مرادهن.

باختصار، نستطيع القول: إن خلاص المرأة وتحررها، هي البذرة الأساسية التي تُبنى عليها أغلب القصص الكردية.

[1] – محمد أمين بوز أرسلان، أجن من المجانين، ص 30-32.

[2] – قرخساجليه: كلمة تركية وتعني (ذات الأربعين جديلة)، المترجم.

[3] – أورديخاني جليل وجليلي جليل، قصص المجتمع الكردي، ص 21-42.

[4]57-Alexandre Jaba, recueil de notices et de recits Kourdes, Stpetersbourg, 1860

[5] – الأغاني الكردية2، ص231-232.

[6] – محمد أمين بوز أرسلان، الأسماك البرية، ص 60- 64.

[7] -الأغاني الكردية2، ص 221.

[8] – حاجي جندي، حكايات المجتمع الكردي، ص 72-78.

[9]– حاجي جندي، حكايات المجتمع الكردي1، ص 98-106.

[10] – حاجي جندي، حكايات المجتمع الكردي، ص 17-42.

[11] – گـُلبارين: أي الفتاة التي تهطل وردًا، لشدة حسنها. المترجم.

[12] -65 – Stig Wikander, Recueil de texts kormanji, rûp.24-32

[13] 66- Stig Wikander, Recueil de texts kormanji, rûp35-38-

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. تنبيه: buy dmt crystals
إغلاق