أدب وفنون

رماد الماء

على دفترها المدرسيّ كتب لها: “أنا أحترق يا روز”. المُدرِّسة، بعد قراءتها ما كتب، قالت بحدّةٍ: “ماذا يعمل والدكَ؟”. “أريد أن أصبح سائقًا مثله في الإطفائيّة”. حضر وليّ أمره مع سيّارة الإطفائيّة بكامل الجاهزيّة. روز كانت الأسبق في حرق الورقة وما كُتِبَ عليها من احتراق. رمتها من النافذة، لتزيد الرياح اشتعالها. وانتشرت النيران واتّسعت مساحة النيران، مع ازدياد عدد سيارات الإطفاء. وزوز.. روز تحترق من دون رماد.

كتب أحمد لها ثلاثة أعواد ثقاب: “أنا.. أحترق.. يا روز”.

سجن الأحداث ضيِّقٌ.. مملٌّ و(حقير ابن حقير). مقاعده وجدرانه باردة على عكس مقاعد المدرسة، و.. روز. فوجئ بزيارتها له في السجن. خطّت له على ورقة المحارم التي دسَّتها في يده خلسةً: “أنا أحترق يا أحمد”. لم يتوانَ أحمد عن إحراق ورقة المحارم مع جدران السجن. استغلّا مغازلة رطوبة السجن لنيران ورقة المحارم.. ولاذا بالفرار.

“البريّةُ حريّةٌ”.. (مو هيك يا أحمد)؟ “الفضل للمزار”. يقول أبي لولا المزارات لقُطِعَت الأشجار، وبُنيت مكانها (فِلل)… وأضرم أحمد النار.

(أحمد مو حرام تشعّل النار؟). “لا.. لا.. أنوي تسخين إبريق المتّه”.

“ظننتُ.. كفى حريقًا يا أحمد. إذًا أنت لم تعد تحبّني”. سارعَ أحمد، وسكب الكاز على الجبل، وهمّ بإلقاء عود ثقاب عليه. صرخت: “أحمد…. مجنون”.

أحمد: “سأحرق الجبال والسهول والبحر.. المجد للرماد! الرماد طهارة الأشياء. والأشياء طهارة الرّماد.. والرّماد ابن النار”.

روز: أتضرم النار، وأنت ابن سائق الإطفائيّة؟!”.

أحمد: “وهذا ما يزيد اشتعالي”.

ازدادت النار اشتعالًا، وماء الإبريق فوقها يغلي. فاضت المياه على النار.. فخمدت. شربا المتّة سويّةً. تركا الجبل وهبطا صوب السهول، تاركين الشمس تركّز حرارتها على الكاز المسكوب، لتفعل النار فعلتها، وأصبح لدفء الكاز فحيح الأفاعي.. ويا نار.. يا نار.. يا نار. أُنير الجبل في عزّ الظهيرة، واستمرّت إنارته مع إخفاق كلّ المحاولات لإطفائه.

“وماذا بعد يا أحمد؟!”.

– انظري إلى السهول الخضراء.. العشبُ يوارينا.. العشب جميلٌ يا روز.

= وأنا أحبّ الأخضر.

– إذًا لنرع سويّة ولتذهب الخراف الى المطعم.

= أحمد! هنالك أناس قادمون نحونا.

– لا تخافي انهم الحصّادون.

= ياه! مكثنا طويلًا هنا.

مع ذهاب الحصّادين إلى منازلهم، تركا السهل، ولاذا صوب البحر، بعد أن أضرما النار. على شاطئ البحر وبهدوء قالت روز: “أصبحنا نحترف الاحتراق”.

– الرماد.. النار.. التطهّر بالرماد.

= لنبدأ بحرق المراكب العابرة والغادية، بعد أن نشرب لُهاثنا.

في المقهى قالت: “لا ترمي عقب سيجارتك على الموكيت، يوجد منفضة”.

– عشّاق كُثر مثلنا حول الطاولات يضحكون.. يثرثرون.. يتقيؤون. أتعرفينهم؟

= لا أحبّهم، لأنّهم يشبهوننا.

ورمت عقب سيجارته على الستائر التي تحجب الرؤية. ويا نار.. يا نار.. يا نار. للنار أذرعٌ امتدّت إلى كلّ المقاهي لتمتد إلى عمق البحر. فاضت الأسماك والحيتان.. ونار.. نار.. نار.. ورماد في المدرسة.. في السجن.. وفي الجبل والسهل والبحر. وسط الرماد، مارس أحمد وروز طقوسهما بحريّة.. إلى أن انفجر جرس آذن المدرسة مُعلنًا موت حلمهما، وبداية حصّة أُخرى.

Author

مقالات ذات صلة

إغلاق