أدب وفنون

هل يزيح “السردُ الوامض” الروايةَ عن عرش الأدب؟

بين الحين والآخر، يُثَار الجدل فيما يتعلق بالقصة القصيرة جدًا، ومدى التزامها بالخصائص الفنية والتقنية للسرد، وفي ظل انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، وبخاصة موقع التغريد المصغر (تويتر)، الذي يتيح مجالًا محدودًا لكتابة نص لا يزيد عن 140 حرفًا، بات إيجاد نص قصير مدهش يتجاوز القوالب التقليدية، أمرًا ملحًا ومطلبًا ضروريًا، لمواكبة وتيرة الحياة المتسارعة واستجابة لروح العصر. فهل الزمن القادم هو زمن السرد الوامض أو القصة اللقطة أو القصة الصرعة؛ كما يحلو لكتّابها أن يلقبوها، أم أن السرديات الطويلة ما زالت تحظى بعقل وروح القارئ؟ وما الذي يعيب الأدب أن يكون فيه (ق. ق. ج) على شاكلة الأفلام القصيرة جدًا والقصائد القصيرة جدًا؟ وبخاصة أن القاعدة الأساسية تقول: “الجيد يبقى، وما عداه سينتهي ويفنى”.

في مختبر التذوق!

في البداية، يقول الكاتب والقاص أحمد الخميسي: “لا أدري حقًا على أي أساس حددوا أننا في زمن الرواية، ثم أجلسوها على عرش الأدب؟ أظن أنه على أساس واحد فقط، وهو انتشار روايات التسلية الجماهيرية. وانتشار أي ظاهرة لا يعني أنها سيدة هذا الزمن أو ذاك. قديمًا قالوا عصر السينما، ثم عصر الفيديو، وما زال الأدب المكتوب حيًا وقويًا، ولم يحدث في الواقع أن تربعت الرواية على عرش الأدب، ليتم إزاحتها. يتربع على عرش الأدب كل ما هو أدب حقيقي من قصة قصيرة ورواية وشعر ومسرح، فالعرش للنوعية وليس للكمية ولا الانتشار”، ويضيف: “تغريدات (تويتر) والملاحظات التي تكتب في (فيسبوك)، وفي غير ذلك من وسائل التواصل الاجتماعي، لا تزيح شيئًا إلا الملاحظات المشابهة لها في تلك المواقع، فكل تلك التغريدات والملاحظات ليست شكلًا أدبيًا أو فنيًا لتنحّي أشكالًا سردية تاريخية كالقصة أو الرواية، واختراع وسائل التواصل الحديثة لا يعني بحد ذاته مولد أشكال أدبية جديدة، وإلا كان اختراع الطباعة أواسط القرن الخامس عشر، قد أدى إلى ظهور أشكال أدبية”، ويتابع: “إمكانات التواصل الحديثة مثل المطبعة مجرد وسائل لنشر الأدب وغيره، لكنها لا تخلق لا أدبًا ولا غيره، أما عن القصة القصيرة جدًا، فإنها ما زالت في مختبر التذوق، وقد عرف تاريخ الأدب القصة القصيرة في حدود 15 سطرًا، لكنه لم يعرف القصة المكونة من عدة كلمات، ومن الصعب الحكم بما سيقبله الزمن القادم، ويرتضيه، نحن لا نتخيل حتى كيف سيكون ذلك الزمن”.

الفنون الإبداعية لا تتحارب!

يرى البعض أن في مقولة “إننا نعيش في زمن الرواية وغياب الشعر”، الكثيرَ من المبالغة، فمن حيث التأثير المباشر على الجماهير، كل أنواع الكتابة السردية والشعرية تعاني كثيرًا حتى تصل إلى الناس، فالروايات مثلًا لا تبيع أكثر من 20 ألف نسخة (وهذا رقم مذهل)، ويتحقق في خلال عام على أقل تقدير، بينما كليب غنائي أو إعلان تلفزيوني يصل إلى مليون مشاهد في خلال شهر واحد فقط، لذا هو عصر الميديا التي تفتن وتخلب الناس، أكثر مما هو عصر الأدب.

الناقدة والقاصة السعودية شيمة الشمري ترى أن الاهتمام المتأخر من بعض الكتّاب بالقصة القصيرة جدًا، لا يعني أنها متأخرة، وتضيف: “في مدينة حلب السورية كانت تقام لقاءات سنوية لها منذ عام 2000، وملتقيات سردية ونقدية ومشاركون من مختلف العالم. والربط بينها وموقع التغريد المختصر (تويتر) وجهة نظرٍ قاصرة عن بدايتها الحقيقية، وعنها كإبداع مستقل، وقصر العبارة لا يعني أنها (ق. ق. ج)، وليس كل تغريد هو قص وامض، لعل بعضهم يستسهلها لقصرها، ويرى فيها طريقًا أسهل لدخول عالم الكتابة، لذا نرى ما نرى من ضعف وركاكة في مستوى كثير من الكتابات المنسوبة إليها”، وتؤكد الشمري: “لا شك أن وسائل التواصل الاجتماعي ساهمت في الانتشار، سواء الكتابات الأدبية أو غيرها، علمًا أن الانتشار وكثرة الظهور لا تعني بالضرورة النجاح الإبداعي. حتى في مجال النقد نحتاج إلى نقاد متخصصين في مجال الـ (ق. ق. ج)، فليس كل من يكتب القصة يبدع في كتابة القصة القصيرة جدًا؛ وليست كل تغريدة قصيرة هي إبداع. الـ (ق. ق. ج) لها أدواتها الخاصة. ومن يعشقها، ويقرأ عنها، ويقرأ إبداعات كتابها أو يكتبها، يعرف ذلك جيدًا، وأحسب أنها تعدّت مرحلة التجريب وأثبتت مكانتها الأدبية، والفنون الإبداعية لا تحارب بعضها، ولا تطمع في عرش أو كرسي كما هو حال البشر، القراءة غذاء للروح والفكر، ومن يقرأ ويعشق الأدب، لا أظنه يكتفي بقراءة نوع واحد، والمجد للإبداع أيا كان”.

معركة إبداعية كبرى!

تقول القاصة الأردنية حنان بيروتي: إن ثمة ازدهارًا للسرد الوامض والقصة القصيرة جدًا في بيئةٍ خصبةٍ من التطور المتسارع للتكنولوجيا، مصحوبًا بلهاث الحياة المعاصرة، لكنه مصحوب كذلك بشبه انعدام لمقاييس نقدية حاكمة، واختلاط الجواهر بالحجارة، بشيوع وسيلة النسخ واللصق التي تبرر غاية الشهرة، لكنه يظل ازدهارًا تفوحُ من جنائنه عطورُ إبداع جميل، يغذي أرواح متابعيه ومتذوقيه كمحطة استراحة، وواحة افتراضية من هجير الواقع. لا بد للمستظل بالومضات، من البحث عن مساحةٍ إبداعيةٍ أوسع وأعمق وأكثر ثراء، تأخذه في رحلة إبداعية لاكتشاف ذاته والعالم؛ فهي تعطيه جرعةً معرفيةً ولغويةً وجمالية، وتوقظ عنده الأسئلة وتواجهها معه، وتبعده عن التشتت واللهاث بين الومضات الشبيهة، بالوجبات السريعة التي تشبع آنيًا وبشكل صادم، ولا تثير بمكوناتها الصريحة الواضحة نكهة الجمالية المتأتية، من الغموض ومكابدة القراءة، وهذا لا يحققه غير نص روائي قادر على احتواء حالة الضياع والألم، والاكتساح الروحي والإنساني التي يعيشها الفردُ المعاصر، وبخاصة في المجتمعات العربية”. وتضيف بيروتي: “ازدهار السرد الوامض لا يغطي غيرَ مساحةٍ محدودةٍ من الذائقة للمتلقي العربي، وتأثيرها يظل محصورًا غالبًا في التأثير والتأثر الآنيين، أما الرواية فهي تتبوأُ مكانتها بكلّ اقتدار ورسوخ وشرعية، وهذا لا يقللُ من أهمية الفنون الأدبية الأخرى، أو من أهمية الشذرات والومضات في التعبير والبوح، فهي أشبه بجولات كرٍّ وفرٍّ في معركة إبداعية كبرى، تتصدى لها الرواية بعتادها اللغوي والفكري والمعرفي الثري”.

الساحة تتسع لكل شيء!

الكاتب والشاعر أحمد فضل شبلول، رئيس اتحاد كتّاب مصر، يقول: “أنا من المؤمنين بأن الساحة الإبداعية تتسع لكل الأشكال والألوان والثقافات، سواء التي تتفق أو تختلف مع بعضها، فأهلًا بتغريدات (تويتر) وسطور (فيسبوك) إلى جانب الروايات الطويلة والقصص القصيرة والقصيرة جدًا والقصيدة والومضة الشعرية والإبجراما والهايكو، أهلا بكل هذه الكتابات، ما دامت صادقة وهادفة ومؤثرة وممتعة وراقية”.

ترى هدي عطية، أستاذ النقد والأدب بكلية الآداب جامعة عين شمس المصرية، أنه في جميع أزمنة الإنتاج الإبداعي تراوح مستويات صعود نوع أدبي وتراجع غيره، فهذه حقيقة لا يمكن إنكارها ولا يجدر بنا مناقشتها، وتضيف: “هذا لأنها تتعلق بأمر بدهي، هو سيرورة الحياة وتحولاتها. ما ينبغي مناقشته حقًا هو تلك التكهنات غير المتأنية التى ترى أن تغريدات (تويتر) وسردياتها القصيرة المتنوعة تكاد تحرز نجاحًا في إزاحة الرواية عن عرش الأدب، باعتبارها أكثر ملاءمة لإيقاع الحياة المتسارع، ومناسبة للذائقة الراهنة. إن أدنى مراجعة دون تحيز، تجعلني أختلف مع هذه التكهنات التي أراها لا تخلو من مغالطة. صحيح أن الإزاحات ممكنة، وقد تتم بجرأة، لكن التكهن صعب، يتطلب استقراءات عميقة. فانتشار السرديات القصيرة الوامضة عبر مواقع التواصل، ربما كان إرهاصًا لا يفضي إلي شيء، كما أن عزوها إلى سرعة العصر لا يعني بالضرورة الإزاحة، فتلك الفرضيات تتجاهل أن الرواية -أيضًا- احتلت الصدارة صاعدة من عمق الإيقاع المتسارع ذاته، ومتلازمة مع الذائقة نفسها”، وتؤكد عطية أن: “الوقوف قليلًا أمام فكرة ذائقة المتلقي المأخوذ بانشغالات الحياة، يحملني على القطع باستمرار الرواية على عرش الأدب سنوات قادمة، قلّت أو كثرت، وهذا رأي لا أعده مرتبكًا أو متناقضًا، خاصة إذا عدنا إلى تصنيف رولان بارت، حول (نص القراءة، ونص الكتابة)، فالرواية بعوالمها المتكاملة الموسعة البطيئة النمو والتشكل والمكتملة الاستواء، تندرج ضمن النوع الأول (نص القراءة) الذي يحتاج إلى قارئ مستهلِك دون إرهاقه ذهنيًا”، وتابعت: “بينما السرديات الوامضة القصيرة تندرج بعوالمها المكثفة الموحية وبدلالاتها المتعددة المسكوت عنها ضمن النوع الثاني (نص الكتابة) الذي يدعو القارئ بإلحاح إلى المشاركة الفعالة. باختصار: الرواية ترتبط باسترخاء الكتابة والتلقي، بينما ترتبط السرديات القصيرة بتوترهما، وقد يحدث يومًا أن يتم تنحية الرواية عن عرشها، لا لسبب يتعلق بالطول والقصر وإيقاع الحياة، وإنما لأمر أراه أيديولوجيا، فتنحي الرواية مرتبط بخفوت فكرة الإنسان الذي يعيش في جماعة، وباتساع مساحات الاستيحاش والوحدة، وهو أمرٌ بات وشيكًا، خاصة مع تعانق ثورة عالم الاتصال بثورة مضادة تتعلق بالعزلة داخل عوالم افتراضية”، وختمت بقولها: “لا أقول إن الزمن القادم هو زمن الرواية أو زمن الومضة والقصة القصيرة جدًا، إنما هو -إن أردنا الدقة- زمن السرد”.

مقالات ذات صلة

إغلاق